نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريرًا لمراسلها لشؤون الأمن القومي توبي واريك، يكشف فيه عن أن الرجل الثاني في في وسوريا () اختفى لأشهر داخل ، مشيرا إلى أن صاروخا أميركيا التقطه في اليوم الذي خرج فيه من مخبئه وقتله.

 

ويشير التقرير إلى أن “أبا محمد العدناني، الرجل الذي اعتاد على إصدار التصريحات النارية والخطب الطويلة، أصبح صامتا في أشهر الصيف الأخير، بصفته متحدثا باسم تنظيم داعش، فالرجل الذي حث الآلاف من الشبان المسلمين على ارتداء الأحزمة الناسفة، بدا في المرحلة الأخيرة مهووسا بأمنه الشخصي، بحسب مسؤول أميركي، فقد توقف عن استخدام الهواتف النقالة، ولم يعد يشارك في الاجتماعات، وتجنب الخروج من مسكنه في النهار، وبدأ ينام في مساكن مكتظة بالسكان في بلدة الباب، في شمال سوريا، حيث راهن على وجود الأطفال الصغار لحمايته من الدرون التي تحوم فوق رأسه”.

 

ويكشف الكاتب عن أن “العدناني أجبر في نهاية شهر آب، على مغادرة مخبئه بشكل موقت، نتيجة لسلسلة من الهزائم التي عانى منها تنظيم الدولة، وكان الأميركيون ينتظرونه، فمن خلال عملية مراقبة مشتركة بين الـ(سي آي إيه) والبنتاغون، فقد تمت ملاحقة الرجل البالغ من العمر 39 عاما عندما غادر ملجأه في الباب، وركب سيارة مع مرافق له، وكانا في طريقهما نحو طريق ريفي يبعد عدة أميال عن البلدة عندما انطلق صاروخ (هيلفاير) من طائرة دون طيار فقتلهما”.

 

وتلفت الصحيفة إلى أن الصاروخ الذي انطلق في 30 آب كان تتويجا لأشهر من مهمة مراقبة لاستهداف أهم قيادي في تنظيم الدولة، حيث يقول المسؤولون الأميركيون إنه الأخطر من بين المسؤولين البارزين، مشيرة إلى أن إدارة الرئيس باراك أوباما لم تقل إلا القليل حول الغارة، إلا أنها دحضت الرواية الروسية، التي زعمت أن غارة لطائرة روسية هي التي قتلت العدناني ومرافقه.

 

ويستدرك التقرير بأنه مع أن التفاصيل حول مقتل العدناني لا تزال سرا، إلا أن المسؤولين الأميركيين يتحدثون بشكل متزايد حول ما يصفونها بالحملة الناجحة لملاحقة القادة البارزين في تنظيم الدولة، بمن فيهم العدناني، الزعيم رقم 2، والجائزة الكبرى التي تم الحصول عليها حتى هذا الوقت.

 

وبحسب واريك، فإن الولايات المتحدة استطاعت على الأقل ستة من قادة التنظيم في غارات أميركية خلال الأشهر الأربعة الأخيرة، بالإضافة إلى عشرات من نوابهم وقادة الألوية، واستطاعت محو أقسام كاملة في خريطة التسلسل القيادي للتنظيم. وفق ترجمة عربي 21.

 

وتبين الصحيفة أن مقتل القيادات ترك زعيم التنظيم أبا بكر البغدادي معزولا ومحروما من أهم جنرالاته، ولا يستطيع التواصل مع أتباعه المحاصرين، كما يقول مسؤولون أمريكيون، الذين أشاروا إلى أن البغدادي لم يظهر علانية منذ أكثر من عامين، ولم يصدر سوى شريط مسجل، وهو ما يشير إلى أن زعيم التنظيم في “مخبأ عميق جدا”، بحسب المبعوث الأميركي الخاص للحملة الدولية ضد تنظيم الدولة بريت ماكغيرك، الذي وقال إنه “مختبئ؛ لأننا تخلصنا من نوابه كلهم”، وأضاف ماكغيرك، الذي كان يتحدث في اجتماع لمسؤولي التحالف في برلين: “لقد قمنا بتحديد شبكته، ولو نظرت لنوابه كلهم الذين كان يعتمد عليهم، فتجد أنهم ذهبوا”.

 

ويذهب التقرير إلى أن خسارة القيادات البارزة لا تعني انهيارا قريبا لتنظيم الدولة، لافتا إلى أن المسؤولين الأميركيين والخبراء يحذرون من أن طبيعة التنظيم اللامركزية، حيث إن لديه شبكة من الجماعات الموالية في المنطقة، تجعله قادرا على الاستمرار، حتى لو قتل الزعيم نفسه، لكنهم يقولون إن نجاح ملاحقة القادة نابع من تطور عمليات القتل المستهدف، التي بنتها وكالة الاستخبارات الأميركية ووزارة الدفاع في العامين الماضيين، التي تهدف إلى التخلص من قادة التنظيم الذي يعملون جهدهم للبقاء بعيدا عن الأضواء.

 

وينقل الكاتب عن المسؤولين الأمريكيين، قولهم إن هذه الجهود استفادت من التكنولوجيا والحلفاء الجدد، بمن فيهم الهاربون من التنظيم والمنشقون عنه، الذين يقدمون معلومات حول كيفية تواصل القادة وتنقلهم، مشيرا إلى أن تقلص أراضي التنظيم والخسائر العسكرية أسهما في الوقت ذاته في إجبار القادة على استخدام الهواتف النقالة وأجهزة الحاسوب، بدلا من إرسال رسائل يحملها أفراد.

 

وتنقل الصحيفة عن مسؤول قديم في مكافحة الإرهاب، قوله إن “الرجال الأشرار أجبروا على التواصل عبر الوسائل الإلكترونية؛ لأنهم خسروا السيطرة على الطرق”، وأضاف إن عملية الاختراق للتنظيم أصبحت أسهل؛ “لأنهم وصلوا إلى حالة يائسة، ولم يعودوا يدققون في العناصر الجديدة”، وتابع قائلا” “لدينا صورة داخلية عن تنظيم الدولة الآن، أفضل من تلك التي حصلنا عليها ضد تنظيم القاعدة في العراق”.

 

وينوه التقرير إلى أن أول من ذهب من القادة المهللين للتنظيم كان أبا عمر الشيشاني، الرجل الجورجي ذو اللحية الحمراء، الذي قاتل في الحرب الروسية الجورجية عام 2008، وتلقى تدريبه على يد القوات الأميركية الخاصة عندما كان جنديا في الجيش الجورجي، وصعد ليصبح “وزير الحرب” في “داعش”، ومنذ عام 2014 نشرت تقارير عن مقتله اكثر من مرة ليظهر من جديد لم يصب بأذى، ويقود الحملة العسكرية في العراق وسوريا، لافتا إلى أن حظ الشيشاني انتهى في 10 تموز، عندما ضرب صاروخ أميركي اجتماعا لمسؤولين عسكريين قرب مدينة الموصل، حيث كان مقتله بداية لسلسلة من عمليات استهداف القادة المهمين في جيش “داعش” والدعاية وفرق العمليات الخارجية، بحسب لقاءات مع مسؤولين أميركيين.

 

ويذكر واريك أن وزير إعلام “الدولة الإسلامية” وائل عادل حسن سلمان الفياض، قتل في 6 أيلول، قرب مدينة الرقة في سوريا، وفي 30 أيلول، قتل أبو جنة، نائب القائد العسكري والمسؤول عن دفاعات الموصل، وواحد من 13 مسؤولًا بارزًا قتلوا في مع بداية الحملة العسكرية لاستعادة الموصل، فيما استهدف صاروخ أمريكي مسؤول عمليات تنظيم الدولة في الشرق الأوسط والمسؤول عن عمليات استهدفت الغرب عبد الباسط العراقي في 12 تشرين الثاني.

 

وتورد الصحيفة نقلًا عن المحللين الأميركيين، قولهم إن “مقتل العدناني يظل الضربة الكبرى التي تلقاها التنظيم، فلم يكن المسؤول السوري المولد مجرد متحدث باسم التنظيم، بحسب ما يرى الخبراء، فهو عنصر بارز ومنذ مدة طويلة في الحلقة الضيقة لتنظيم الدولة، وكان دعائيا موهوبا، ومخططا استراتيجيا، أدى دورا في النجاحات المهمة للتنظيم، سواء في إدارة عمليات التواصل الاجتماعي، أو الهجمات الكبيرة في الخارج، بما فيها هجمات باريس وبروكسل، وكان نجمه صاعدا في التنظيم، ففي العام الماضي، وبعد سلسلة من الخسائر التي تكبدها الجهاديون، وبدء التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة باستعادة مناطق في سوريا والعراق، كان العدناني هو الذي خرج وبدأ يبث التعبئة، ويرسل الخطابات الرافعة للمعنويات، ودعا المتعاطفين مع التنظيم حول العالم للقيام بهجمات إرهابية، باستخدام أي وسيلة متوفرة”.

 

وينقل التقرير عن الباحث في معهد بروكينغز ومؤلف كتاب “قيامة تنظيم الدولة”، الصادر عام 2015، ويليام ماكانتس، قوله: “كان صوت الخلافة عندما كان الخليفة صامتا”، وأضاف “كان هو الذي دعا إلى الحرب على الغرب”.

 

ويشير الكاتب إلى أنه في الوقت الذي رفضت فيه “سي آي إيه” ووزارة الدفاع التعليق على دورهما المحدد في مقتل العدناني، إلا أن المسؤولين المطلعين على الجهود يقولون إن مهمة العثور على الرجل رقم 2 أصبحت أولوية، كتلك الهادفة إلى العثور على البغدادي، مستدركا بأن العدناني، مثل رئيسه، كان ناجيا من حروب سابقة بين القوات الأمريكية والمتمردين السنة في العراق، وأثبت مهارة مثيرة للإعجاب، وأبعد نفسه عن صواريخ الولايات المتحدة.

 

وتنقل الصحيفة عن مسؤول أميركي في مكافحة الإرهاب، وله علاقة بتنسيق الجهود الحربية الأميركية والشرق أوسطية، قوله: “كان أمنه الشخصي جيدا، وأصبح أفضل مع مرور الوقت”، مستدركة بأن قيمة المعلومات التي حصلت عليها المخابرات الأميركية من المنطقة تحسنت هي الأخرى، ووصف مسؤول أميركي له علاقة بالحملة ضد تنظيم داعش، عملية التعلم من مرحلتين، ففي الأشهر الأولى ركزت حملة القصف على الأهداف الحيوية، مثل مخازن السلاح ومصافي البترول، وفي منتصف العام الماضي بدأ المحللون يحصون كما هائلا من المعلومات عن قادة الحركة.

 

ويفيد التقرير بأن المعلومات جاءت من شبكة متزايدة من المخبرين، بالإضافة إلى وجود الابتكارات التكنولوجية، بما في ذلك نظام محسن للرقابة، تقوم من خلاله الطائرات دون طيار ومقاتلات مجهزة بنظام للبنتاغون، وهو نظام الرقابة والاستطلاع المعزز المتوسط الارتفاع، الذي صمم لملاحقة وتتبع الأفراد على الأرض، لافتًا إلى قول مسؤول أميركي على اطلاع على الحملة إن “الغارات كانت في العام الأول كلها ضد البنايات، وكان معظمها في العام الماضي على أهداف قادت إلى نجاحات أكثر”.

 

مراقبة وانتظار

ويجد واريك أنه “مع ذلك، فإنه لم تتوفر معلومات عن مكان وجود البغدادي والعدناني، وبعد إعلان إدارة أوباما عن جائزة بقيمة خمسة ملايين دولار لمن يقدم معلومات عن مكان العدناني، أصبح الأخير حذرا بدرجة كبيرة، وتجنب استخدام الهواتف النقالة، وكذلك البنايات ذات اللاقطات الفضائية، واعتمد على أشخاص لنقل رسائله، وابتعد عن الاجتماعات، وتغير دوره بشكل تدريجي، وأصبح مسؤولًا عن تنسيق دفاعات سلسلة من القرى والبلدات قرب الحدود التركية، وكانت منبج واحدة منها، التي كانت مركز انتقال للجهاديين، الذين سافروا عبر إلى سوريا، والثانية كانت دابق، التي اعتبرتها أدبيات تنظيم الدولة جزءا من الملحمة الأخيرة بين الخير والشر”.

 

وتلفت الصحيفة إلى أن العدناني اختار بلدة الباب، التي تبعد 30 ميلا شمال شرق حلب، مقرا لقيادته، وفيها اختفى بين السكان العاديين، وعقد اجتماعات في الشقة التي يسكنها الكثير من الناس، ونام فيها، واعتمد على الأشخاص لنقل رسائله، حتى تطورت الأمور فجأة، ولم يعد قادرا على فعل ما كان يفعله.

 

وبحسب التقرير، فإن “مجموعات سورية مسلحة، مدعومة من الولايات المتحدة، قامت بالسيطرة على منبج في 12 آب، في بداية سلسلة من الهزائم لتنظيم الدولة قرب الحدود مع تركيا، وبدأت القوات بالحشد قرب بلدة دابق، التي تبعد 20 ميلا عن مقر قيادة العدناني، ولم يعد قادرا على التواصل مع الجبهات؛ بسبب إغلاق الطرق من القوى المعادية، ومن هنا أجبر العدناني على الخروج من مقر إقامته الآمن لعقد اجتماعات. وعندما فعل ذلك في 30 آب، قامت أجهزة الرصد التابعة لـ(سي آي إيه) بمتابعته، وأعطت إشارة لإطلاق الصاروخ الذي كانوا ينتظرون إطلاقه لأسابيع”.

 

ويكشف الكاتب عن أن السجلات، التي سجلها رادار للطائرات التجارية، تظهر طائرة صغيرة وهي تقوم بسلسلة من الدورات في ذلك اليوم، فوق الطريق الواقع شمال غرب الباب، ولم تعط الطائرة أي إشارة، ما يعني أنها كانت طائرة عسكرية في مهمة سرية، منوها إلى أنها الإشارات والأشكال ذاتها التي سجلها نظام الملاحقة والاستكشاف المعروف “إمراس”، حيث كان الطريق الريفي المسجل هو ذاته الذي سار فيه العدناني عندما ضربه صاروخ “هيلفاير” وقتله مع رفيقه.

 

وتذكر الصحيفة أن تنظيم الدولة أعلن عن مقتل العدناني في اليوم ذاته، وذلك عبرة نشرة أخبار الصباح، التي نعت خسارة قائد “استشهد وهو يقوم بمتابعة العمليات العسكرية، ولصد هجوم ضد حلب”، مستدركة بأن واشنطن ظلت صامتة في مرحلة ما بعد مقتله لمدة أسبوعين، حيث حاول المسؤولون التأكد من أن الجثة التي انتشلت من حطام السيارة هي للعدناني، وجاء التأكيد في 12 أيلول، في بيان من البنتاغون، جاء فيه أن صاروخا أميركيًا دقيقا استهدف العدناني ومسحه من الجماعة الإرهابية، “الدعائي البارز والمجند والمهندس للعمليات الخارجية”، فيما استمرت المزاعم الروسية بشكل أثار سخط الأمريكيين، الذين يعرفون صعوبة البحث عنه وقتله.

 

وينوه التقرير إلى أن الخبراء يحاولون في الوقت الحالي تقييم صدمة غياب العدناني عن التنظيم، ويقول خبراء في مكافحة الإرهاب، إن شبكة لامركزية إرهابية، مثل تنظيم الدولة، عادة ما ترد بسرعة على خسارة قادة مثل العدناني.

 

ويرى مدير مركز الدراسات الأمنية في جامعة جورج تاون بروس هوفمان، أن “قطع رأس التنظيم هو جزء من استراتيجية كبيرة، لكنه لن يهزم الجماعة الإرهابية”، مشيرا إلى وجود رموز صدامية غير معروفة، وهي التي منحت تنظيم الدولة قوته العسكرية، وتشكل جوهر الجماعة، ويجد هوفمان أن خسارة المسؤول الدعائي البارز “تعد تعطيلا مؤقتا” للتنظيم، بحسب الصحيفة.

 

وتختم “واشنطن بوست” تقريرها بالقول إنه “في ظل استمرار سقوط الصواريخ على أهدافها، فإن التنظيم يخسر بشكل حتمي القدرة على القيادة والإلهام لقواته المحاصرة، كما يقول خبراء آخرون، ويرى بروس ريدل، الذي عمل ضابط (سي آي إيه) لمدة 30 عاما، ويعمل محللا في معهد بروكينغز أن (التدمير المستمر لقيادة تنظيم الدولة، بالإضافة إلى خسارته المناطق يحرمانه من جاذبيته وقوته) ويضيف أن (تنظيم الدولة يواجه أزمة خطيرة)”.