ديفيد بولوك

في 26 تشرين الثاني/نوفمبر، أجرت انتخابات مبكرة لـ “”، للمرة السابعة في غضون العقد الماضي. وهذه الإمارة الوراثية الصغيرة الغنية بالنفط، بل الاستراتيجية التي تقع على رأس العربي، بين والعراق، تتمتع بالبرلمان الوحيد الذي يعمل بكفاءة من بين الأنظمة الملكية العربية الستة في «مجلس التعاون الخليجي». وفي هذا الصدد فإنها تشبه تقريباً الأردن والمغرب، اثنين من الممالك العربية الأخرى غير الغنية بالنفط، اللتين يوفر برلمانيهما المنتخبيْن أيضاً بعض المنافذ الشعبية والضوابط على الصلاحيات الواسعة للقصر. وكانت النتيجة في جميع الحالات قيام استقرار سياسي، ولكن على حافة الركود. وبينما تبدو في الكويت وكأنها تدعم قوى المعارضة في البلاد، إلا أنه من الحق القول أنها تطيل أمد هذا الاتجاه على الأرجح.

 

وبشكل أكثر تحديداً، توفر الممارسة الكويتية الأخيرة في الديمقراطية المحدودة في العالم العربي، بعض الدروس المثيرة للإهتمام. فقد تم حل “مجلس الأمة” السابق [بموجب مرسوم] من قبل الأمير، وفقاً لما يسمح به الدستور الكويتي، بعد أن أصرّ النواب على حقهم في استجواب الوزراء بشأن مقترحات مثيرة للجدل. وفي هذه الحالة كانت تلك المقترحات ذات شقين: أولاً، خفض الدعم على البنزين وأشكال أخرى ذات صلة بهبات رسمية، لمواجهة الانخفاض الحاد في أسعار النفط التي تعتمد عليها الحكومة والاقتصاد ككل إلى حد كبير. وثانياً، التشديد بشكل أكبر على الحملة الأمنية المستمرة ضد حرية التعبير وتكوين الجمعيات – من بينها لم يسبق له نظير بأنه يتعيّن على كل مقيم في البلاد أن يقدم عيّنة من حمضه النووي لأغراض تحديد الهوية وإجراء تحقيق محتمل.

 

ولم يحظى كلا المقترحين بشعبية واسعة ولأسباب مفهومة. ولكن بدلاً من قيام المسؤولين الرسميين الكويتيين بمواجهة القضايا والبت فيها مباشرة، استغرقهم الأمر بعض الوقت حيث أخذوا “مهلتهم” النمطية من خلال الدعوة لإجراء انتخابات مبكرة. وبالتالي فإن الدرس الأول من هذه الحلقة هو حقاً رسالة تذكير بسابقاتها وهي: أن المناورة الانتخابية لـ “مجلس الأمة” عادة ما تعمل على نزع فتيل الأزمة السياسية، ولكن على حساب تأجيل إجراء أي تغييرات كبرى في السياسات، وإلى أجل غير مسمى في كثير من الأحيان.

 

ثانياً، تخلت “المعارضة” التي تتميز بإسلوب خاص بها عن نهج المقاطعة الذي كانت تتبعه خلال المرتين السابقتين اللتين أجريت فيهما انتخابات، وبالتالي تمكنت من تحقيق عودة مثيرة في هذه الجولة. فأولئك الذين ينتقدون الحكومة والسياسات الكويتية منذ فترة طويلة هم حفنة مختلطة، لا سيما وأنه لا يسمح بقيام أحزاب سياسية رسمية. فالبعض هم من الأصوليين السنة على غرار جماعة «»، التي تعرف محلياً باسم «الحركة الدستورية الإسلامية»؛ والبعض الآخر هم سلفيين أكثر تقليدية. وآخرون يؤكدون على المواقف الشعبوية والقومية، أو حتى الليبرالية في بعض الأحيان.

 

وفي هذه الجولة المتكررة من الانتخابات، حصل مرشحو «الحركة الدستورية الإسلامية» على حوالي أربعة مقاعد تقريباً من بين خمسين مقعداً في “مجلس الأمة”، بالإضافة إلى عدد متساو من المقاعد لنواب يتعاطفون مع وجهات نظرهم. وحقق السلفيون النتيجة نفسها تقريباً. فقد مُنحت ثمانية مقاعد إضافية أو ما يقرب من ذلك للمرشحين المرتبطين بشكل مبهم مع تيارات أخرى في “المعارضة الموالية”، من النمط الشعبي أو الوطني بصورة أساسية. وإجمالاً، يمكن الآن اعتبار حوالي نصف أعضاء “مجلس الأمة” من خارج المعسكر المؤيد للحكومة. ويتناقض ذلك بشكل حاد مع “مجلسي الأمة” السابقيْن، حيث أن مقاطعة الانتخابات آنذاك ضمنت حصول الحكومة على دعم أغلبية كبيرة من أعضاء “المجلس”.

 

وتجدر الإشارة بشكل ملحوظ إلى أن ثلاثين من الأعضاء الخمسين السابقين في “مجلس الأمة” لم يعودوا إلى “المجلس” الجديد. وفي هذا الصدد، على الأقل، تُعد الانتخابات بمثابة صمام أمان أمام الإحباطات المتراكمة، والتي ذلك ربما كانت تتحوّل إلى احتجاجات خطيرة، كما حدث بشكل متقطع بين انتخابات 2011-2013.

 

وحتى مع ذلك، يبقى ما يقرب من نصف أعضاء “مجلس الأمة” موالي للحكومة. ويضم هذا القسم أيضاً مجموعة من العناصر المختلفة: فبعضهم من الملكيين المتشددين، والبعض الآخر من الأتباع القبليين، وأعضاء مجموعة ثالثة هم “نواب في خدمة [جمعيات]” تحصل على رعاية العائلة المالكة أو غيرها من الحسنات التي توفرها هذه الأخيرة، كما هناك ستة نواب من الأقلية الشيعية في المجتمع الكويتي ذو الغالبية السنية. إن التوازن المتكافئ تقريباً بين معسكري المعارضة والموالي للحكومة يضمن عملياً جدلاً مستمراً وشللاً سياسياً متواصلاً على السواء. وبالتالي فإن التوقعات هي: الاستقرار في الشوارع، ولكن القليل من الإصلاح الحقيقي.

 

وفي هذا السياق يجدر التنويه بالعامل الشيعي. فلا توجد إحصاءات رسمية متاحة علناً حول ذلك، إلا أن دراسة أُجريت في عام 2015 بإشراف كاتب هذه السطور قد أكدت أن الشيعة يمثلون ما يقرب من ثلث المواطنين الكويتيين. وكما هو الحال في كثير من الأحيان (رغم أن ذلك ليس دائماً بكل تأكيد) مع الأقليات الدينية أو الطائفية في جميع أنحاء العالم، تميل هذه إلى اتخاذ جانب الحكومة المعتدلة نسبياً [في سياساتها] للحماية ضد المتطرفين المتعصبين المتواجدين في صفوف الأغلبية الدينية أو الطائفية. وفي الكويت، زادت التوترات الاجتماعية بين السنّة والشيعة بشكل كبير في السنوات الأخيرة، وذلك إلى حد كبير رداً على الصراعات الإقليمية الأوسع، التي عادة ما يتورط فيها وكلاء إيران الشيعة. إلا أن هذه التوترات لا تؤدي أبداً تقريباً إلى تصعيد الموقف نحو العنف الشامل في الكويت.

 

والآن، وبعد أن عادت المعارضة السنية مجدداً إلى الحلبة السياسية، “خسر” الشيعة ثلاثة مقاعد مقارنة بعددهم في “مجلس الأمة” السابق، وسيكون لهم أقل بكثير من السبعة عشر مقعداً التي كانت لهم في “المجلس” عام 2011، والتي عكست أكثر ما يقرب إلى نسبتهم في جمهور الناخبين. ومع ذلك، يبقى الشيعة مشاركون نشطون، ومسموعو الصوت، وقانونيون في السياسة الكويتية والحياة الاقتصادية والعامة الشاملة للبلاد. وبإمكان المرء أن يقول بحق أنه في منطقة تزخر بشكل مأساوي بصراع ديني دموي، تبقى الكويت واحة مثيرة للإعجاب من الهدوء والتعايش. فهي تمثل انتصار الديمقراطية على التركيبة السكانية، مهما كان هذا الانتصار هشاً، ونموذجاً من المشاركة السياسية السلمية بين مذهبين من الإسلام.

 

ومع ذلك، وعلى نطاق أوسع، إن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو إلى أي مدى سيعكس التمثيل في “مجلس الأمة” الجديد إجمالي عدد السكان في البلاد؟ والجواب، ليس كثيراً. فقد قُدّرت نسبة المشاركة في الانتخابات بـ 70 في المائة، وهي أعلى بكثير مما كانت عليه في الجولات الأخرى في السنوات الأخيرة، بسبب عودة المعارضة إلى المشاركة في “المجلس”. وقد جرى التنافس بضراوة على الخمسين مقعداً، حيث سَجل في البداية أكثر من 400 مرشحاً للحصول على مقعد. بيد، يتكوّن حوالي ثلاثة أرباع من سكان الكويت البالغ عددهم 4.5 مليون نسمة من العمال الوافدين الذين لا يحملون الجنسية الكويتية ومئات الآلاف من “البدون” (عديمي الجنسية) من سكان العشائر العربية في المناطق الحدودية، الذين لا يتمتعون بحق التصويت. وعلى النقيض من ذلك، يُسمح للمواطنات، بالتصويت والترشح لـ “المجلس”؛ وفي وقت مبكر من هذه الجولة كان حوالي 10 في المائة من المرشحين من النساء. ولكن تم انتخاب مرشحة واحدة فقط، كما حصل في الانتخابات السابقة منذ أن مُنحت المرأة حق الترشيح عملياً قبل عقد من الزمن. وفي هذا الصدد، لن يكون البرلمان الجديد “مجلس أمة” تعدّدي، على الرغم من انتخاب أعضائه بصورة ديمقراطية.

 

وبالنسبة لسياسة الولايات المتحدة، ينبغي النظر إلى الانتخابات كاستثناء آخر موضع ترحيب لـ “القاعدة” بأن الديمقراطية في العالم العربي تنحو إما لتوليد عدم استقرار أو أي شكل من السيطرة الإسلامية أو الطائفية. وعلى الرغم من أن الكويت صغيرة وضعيفة أمام التهديدات الخارجية، إلا أنها لا تزال موقعا عسكرياً إقليمياً هاماً للولايات المتحدة، وشريك عالمي للطاقة، وحاجز جغرافي ضد عدوان إيراني محتمل في الساحة الخليجية الحيوية. وحتى إذا كانت الإدارة الأمريكية القادمة تهتم أقل بالديمقراطية في الخارج، أو ربما حتى بالشرق الأوسط بأسره، فمن المستحسن أن تتنفس الصعداء بأن الانتخابات في الكويت ربما تجعلها بلداً استراتيجياً واحداً على الأقل لا تقلق واشنطن بشأنه كثيراً في تلك المنطقة المضطربة.

 

ديفيد بولوك هو زميل “كوفمان” في معهد واشنطن ومدير “منتدى فكرة”.