قال الدكتور سامي الجلولي، الباحث التونسي المختص في النظام السياسي السويسري والأنظمة السياسية ، إن الدولة التونسية عاجزة اليوم على مجابهة أي مطالب اجتماعية جديدة بسبب محدودية الإمكانيات المالية وموارد الدولة التي لا تسمح بانتدابات جديدة على الأقل خلال الخمس سنوات القادمة.

 

وأضاف “الجلولي” في حوار خاص مع صحيفة “وطن” أن الحل هو امتلاك الشجاعة لاتخاذ إجراءات مؤسساتية لا إجراءات جبائية اعتباطية، وذلك عن طريق إعلان إفلاس أو فشل التجربة والقيام بتغيير النظام السياسي القائم الآن على 3 رؤوس.

 

وأكد الباحث التونسي أن الأحزاب بالمفهوم الكلاسيكي انتهت والقيادات الكلاسيكية كالسبسي والغنوشي وحمة والشابي انتهوا… وحمة والشابي لم يكونوا سياسيين ناجحين بقدر ما كانوا معارضين سيّئين. هؤلاء بمن فيهم والغنّوشي لم يتربّوا على الديمقراطية وعلى تداول المسؤوليات، لم يقدموا شيئا لتونس ولن يكون بإمكانهم تقديم أي شيء عدا جذب البلاد إلى الخلف وإغراقها في تجاذبات تافهة ومحبطة.

 

وشدّد رئيس على أن تونس ليس لها نخب بالمفهوم العلمي للكلمة، ولكن لديها فقط مجموعات قطاعية مبعثرة تنتظم وفق نظام المصلحة الشخصية، حيث أن هذه المجموعات لا تحكمها مرجعيات أيديولوجية أو معرفية بل تحكمها روابط المصلحة والمنافع المتبادلة.

 

وفيما يلي نص الحوار (أجراه شمس الدين النقاز)

دكتور سامي الجلولي، نبدأ من تصريح وزير التشغيل الجديد في حكومة يوسف الشاهد عماد الحمامي الذي قال فيه إن “الوظيفة العمومية ماعادش”، ما هي الأسباب الحقيقية لهذا التصريح غير المفاجئ والتصعيدي من وزير لم يمض على تعيينه شهرين؟

السلطة تعرف أن الإمكانيات المالية وموارد الدولة لا تسمح بانتدابات جديدة على الأقل خلال الخمس سنوات القادمة نتيجة التراجع الكبير في الموارد، انكماش الاقتصاد التونسي، التهرب الضريبي، سطوة الاقتصاد الموازي والإغراق الوظيفي الذي عرفته الدولة طيلة حكم الترويكا.

هذا يعني أن الدولة عاجزة على مجابهة أي مطالب اجتماعية جديدة. وبالتالي الوزير قام بمصارحة طالبي الشغل. إلا أن ما يعاب على الوزير وهو المنتمي لحركة أن يأتي تصريحه مخالفا للوعود التي طرحتها حركته إبان الحملة الانتخابية الأولى والثانية بتوفير عشرات الآلاف من الوظائف وهنا يكمن الفرق بين الوعد الانتخابي والواقع الاقتصادي والسياسي.

تعيش البلاد خلال الفترة الراهنة أوضاعا اقتصادية واجتماعية صعبة جدا، برأيك من يتحمل مسؤولية ما وصلنا إليه؟

الجميع دون استثناء شارك في انهيار الاقتصاد أحزابا ومنظمات نقابية ومجتمعا مدنيّا. قلة الخبرة السياسية، تدخل قوى خارجية لها حساباتها المختلفة عن حسابات المواطن والدولة إضافة إلى الاندفاع نحو تغليب الحريات النقابية والإعلامية على الجانب الاقتصادي، كل هذه العوامل ساهمت في تأزيم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. فلا يمكننا فك الارتباط بين العمل السياسي، القرار الاقتصادي والوضع الاجتماعي.

هل تعتقد أن حكومة يوسف الشاهد قادرة على إخراج البلاد من عنق الزجاجة؟

لا أعتقد ولا أؤمن بالعصا السحرية. حكومة الشاهد ستكون آخر حكومة تمضي على ملف انهيار 6 سنوات وبالتالي إعلان فشل التجربة التونسية جزئيا. لأنه بان بالكاشف أن هناك خللا في التسيير، في الطرح وفي الأولويات. كل هذا يتطلب وجود رؤية ولكن في الحالة التونسية لا وجود لرؤية. نحن نسيّر الدولة بمنطق اليوم قبل الغد وقراراتنا لا تقوم على أسس علمية وحسابية بل تخضع للمزاج وللأهواء.

على خلفية التحوير الوزاري الذي ينوي رئيس الحكومة إجراءه، قلت “إن رئيس الحكومة أداؤه ضعيف ولا يرقى لمستوى رئيس حكومة خاصة في ظل غياب الدعم الشعبي لشخصه ولحكومته وأن الدعم الذي يلقاه لا يتجاوز كونه دعما ضيقا أملته ضرورات التوافق بين النداء والنهضة” هل تعني بهذا أن يوسف الشاهد غير قادر على إيصال البلاد إلى بر الأمان؟

أنا شخصيا لا أؤمن بأنصاف أو أرباع الحلول تلك التي تنتهج الترقيع. لا الشاهد ولا غيره قادر في الظرف الحالي على إخراج البلاد من عنق الزجاجة. إن علينا مصارحة الشعب بفشل المنوال الذي انتهجناه وأن الخطط إن وجدت كانت مبعثرة وغير منتظمة ولا يحكمها منطق.

الحل هو امتلاك الشجاعة لاتخاذ إجراءات مؤسساتية لا إجراءات جبائية اعتباطية. الحل هو إعلان إفلاس أو فشل التجربة والقيام بتغيير النظام السياسي القائم الآن على 3 رؤوس. فالنظام الذي يحكم البلاد اليوم مبني على توافق مغشوش وهش وغير علمي ولا يخضع للواقع. فهو يتأرجح بين النظام الرئاسي والنظام البرلماني. علينا تغليب نظام على آخر. الظاهر أن الجميع متعطّش للسلطة والكل يريد أن يحكم وبالتالي عوض تكثيف المجهودات للقيام بإصلاحات اجتماعية أمضينا الوقت في تنازع السلط وفي المبادرات الهزيلة.

آخر الطب الكي وأنا أرى أن إجراء تعديلات على الدستور الحالي والحسم في هوية النظام السياسي الحالي حلا راديكاليا وهذا يجب طرحه عبر استفتاء شعبي. علينا تعويد الناس على المشاركة في اتخاذ القرارات المصيرية بعد فشل النواب في ذلك.

هل أثرت الانشقاقات والانقسامات داخل حزب ، على الحكومات المتعاقبة بعد انتخابات 2014؟ وهل حققت ثورة 14 يناير أهدافها من خلال تغيير الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي نحو الأفضل؟

قبل كل شيء، حركة نداء تونس هي حركة هجينة، لا تحكمها مبادئ ولا أيديولوجيا ولا رؤية سياسية كبقية الأحزاب، فهي خليط بين تيارات سياسية وفكرية مختلفة وأحيانا متضاربة. فهذا الحزب لم يكن الهدف من تأسيسه ودخوله الانتخابات طرح منوال حكم أو تنمية جديد، يستجيب لتطلعات وطموحات الشعب بل كان الهدف الأساس إقصاء حركة النهضة خاصة والترويكا عامة من السلطة. لهذا، عندما فاز نداء تونس في الانتخابات اصطدم بالواقع الاجتماعي المرير وبالتضارب المصلحي الذي يحكم قياداته. فبالإضافة إلى أن حركة نداء تونس بنيت على أساس توافق داخلي هش إلا أن دخولها في توافق مغشوش مع حركة النهضة ساهم في تعطل محرّك السلطة. لذا فلا يمكننا بناء توافق بين أضداد متنافرة.

الانشقاقات والانقسامات التي عرفتها حركة نداء تونس مفتعلة وجانبية لا تخدم المواطن التونسي في شيء. هو لم يكن صراع من أجل رؤية سياسية تهم البلاد وكيفية الخروج من الوضع السياسي، الاقتصادي والاجتماعي المتردي بل كان صراعا من أجل التموقع داخل الحزب لغايات انتخابية مستقبلية بحتة. بطبيعة الحال كان لذلك تأثير لكن محدود جدا.

لم يحقق التغيير الذي حصل بعد أي مكسب اقتصادي أو اجتماعي. كل ما تحقق مجرد ضوضاء حقوقية في حاجة إلى دعمها اجتماعيا ومؤسساتيّا. إنّه كمن يتلهى ببالون لا يعرف متى وأين ينفجر.

لاحظنا من خلال تدويناتك على صفحتك الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” أنك تطرح على السياسيين حلولا مثالية على كل المستويات للخروج بالبلاد من عنق الزجاجة، فهل تواصل معك بعض المسؤولين للسماع منك مباشرة؟

المشكل في تونس أن الجميع دون استثناء يبحث عن مكاسب شخصية وكل مسؤول يحاول أن ينفرد بالقرار وأن يسجل نقاط لصالحه خدمة لأهداف سياسية. وبالتالي في مثل هذه الحالات لا تتوفر رؤية صادقة لخدمة الصالح العام. كما لاحظت شخصيا عقدة لدى المسؤولين المحليّين من كل شخص يقدم حلولا راديكالية. نعم سبق أن طرحنا مشروع تنموي كبير على وزير التنمية والتعاون الدولي ياسين إبراهيم إلا أنه لم نتلقى ردودا في ذلك. طالما أننا نشتغل بمنطق الحلقة المغلقة فلن يكون بإمكاننا سوى الفشل. تونس تحكمها مجموعة من النوادي القطاعية المغلقة.

دكتور سامي الجلولي، هل ترى أن “النخب” السياسية في تونس هي السبب الرئيسي في ما وصلت إليه البلاد من انهيار على كل المستويات؟

النخبة تطرح البدائل وتقاوم تعسّف أو انحدار السلطة. في تونس ليس لدينا نخب بالمفهوم العلمي للكلمة. لدينا فقط مجموعات قطاعية مبعثرة تنتظم وفق نظام المصلحة الشخصية. هذه المجموعات لا تحكمها مرجعيات أيديولوجية أو معرفية بل تحكمها روابط المصلحة والمنافع المتبادلة. هؤلاء هم من أساؤوا للسلطة وللمجتمع.

في هذا الوضع الحرج الذي تمر به البلاد، ما تزال بعض الأحزاب تمارس المراهقة السياسية، ونعني هنا حرب التصريحات التي أثارتها الصورة التي نشرها راشد الغنوشي وهو يصافح القيادي في الجبهة الشعبية ونائب الأمين العام لـ ” الوطد” محمد جمور، ما هو تعليقك حول ما حدث؟

هذه أحسن صورة تعبيرية عن التخلف والفراغ السياسي والأخلاقي الذي يحكم ما يسمّونهم نخبة. يجعلون من مجرّد مصافحة شأنا وطنيا عاما. هم يتصافحون في السر فلما لا يتصافحون في العلن؟

هل هناك حزب متماسك قادر على حكم البلاد بمفرده اليوم؟

ليس هناك أي حزب قادر على حكم البلاد بمفرده اليوم. لسبب بسيط هو ضعف هذه الأحزاب داخليا. أحزاب كالنداء أو النهضة لا يتجاوز عدد منخرطيها الفعليين (الدائمين لا الموسميّين) بضعة آلاف. فكيف يمكن لهؤلاء حكم البلاد وسط تشعّب الاجتماعية وغياب إرادة سياسية فعلية قادرة على معالجة قضايا الداخل دون التخلّص من سطوة بعض مراكز القرار الخارجي.

بماذا تختلف الأحزاب في الدول المتقدمة على غرار التي تعيش فيها، عن الأحزاب في العالم النامي؟

في سويسرا، القرار السياسي الفعلي ليس في يد الأحزاب بل في يد الشعب. اليوم نتحدث عن تخوّف الأحزاب من دكتاتورية الشعب. تقنية الاستفتاء وطرح المبادرات أفرغت الأحزاب من سلطتها فهي تحولت إلى مجرد إطار عام أو صندوق بريد مهمته أحيانا التبني والحشد. الأحزاب لا تمتلك القرار السياسي بل يمتلكه الشعب وهذه إحدى مزايا الديمقراطية المباشرة. الشعب هو من يقرّر والإدارة تسهر على التنفيذ وهذا ما علينا بناؤه في تونس. الديمقراطية المحلية والمباشرة هي حجر الأساس لإحداث تنمية فعلية وفاعلة.

في تونس، نجترّ مفاهيم خاطئة ونعيد إحياء ممارسات، حكم عليها التاريخ بالفشل. مشكلتنا ليست مع أشخاص ولن تكون. مشكلتنا مع منوال حكم فاشل. مع نظام تتعانق فيه الرؤوس وتتقاتل فيه الذيول. خمس سنوات كافية لتغيير نظام الحكم.

في تدوينة سابقة قلت إن “جيل الباجي انتهى وجيل الغنوشي انتهى وجيل المرزوقي انتهى وجيل حمة انتهى وجيل الشابي انتهى… كل هذه الأجيال هرمت فكريا وسياسيا ولن يكون بإمكانها استشراف المستقبل والارتقاء بتونس…” فهل نفهم من كلامك أن جيل الشاهد هو من سيستشرف المستقبل وسيرتقي بتونس؟

المشكل ليس في الأجيال. عندما تحدثت عن هؤلاء ليس بسبب عامل السن بل بسبب عدم تجدّد الفكر. هم متشبّثون بنفس المقولات والقوالب. المشكل الأساس لا يكمن في سن هؤلاء بل في إمكانية التجديد والتطوير. التشبيب السياسي لا علاقة له بالسن بل بالقدرة على بناء أفكار جديدة وتطويرها.

إجمالا، الأحزاب بالمفهوم الكلاسيكي انتهت والقيادات الكلاسيكية كالسبسي والغنوشي وحمة والشابي انتهوا… الغنوشي وحمة والشابي لم يكونوا سياسيين ناجحين بقدر ما كانوا معارضين سيّئين. هؤلاء بمن فيهم السبسي والغنّوشي لم يتربّوا على الديمقراطية وعلى تداول المسؤوليات، لم يقدموا شيئا لتونس ولن يكون بإمكانهم تقديم أي شيء عدا جذب البلاد إلى الخلف وإغراقها في تجاذبات تافهة ومحبطة.

تونس في حاجة إلى دماء جديدة، إلى جيل جديد، إلى فكر ورؤى جديدة…

هل خسرت تونس بن علي وربحت الباجي والغنوشي، أم العكس، أم أن المساوئ هي نفسها عند الثلاثة؟

بن علي له إيجابيات كما له سلبيات. من إيجابيات بن علي انحصار الفوضى على نطاق ضيّق وتوفّر الأمن والسلم الاجتماعي بنسب محترمة طيلة حكمه. من سلبياته هضمه للجانب الحقوقي.

الباجي والغنوشي لا يمكن مقارنتهما ببن علي. فهذا الأخير حكم لمدة 23 سنة عرفت فيها الدولة تحولات كبيرة في قطاعات عدة وكان هو رأس النظام. الباجي في آخر حياته عاد إلى الحكم، ساهم عندما كان رئيسا للحكومة في تعديل ميزان القوى، ولكن عندما تولّى رئاسة الدولة قضى على ذلك السند الشعبي بقرارات لا يمكن تفسيرها إلاّ بمراهقة سياسية متأخرة. الغنوشي خارج النسق السياسي الرسمي لكن يمارس نوعا من السلطة المحدودة في إطار هامش لا يمكن تجاوزه. الباجي يحكم جزئيا داخل أطر المؤسسة الرسمية والغنوشي يحكم جزئيّا خارجها.

حكم بن علي يمكنّنا من بناء ما يسمى بتقدير موقف. حكم الباجي والغنوشي لا يمكنّنا من ذلك نتيجة عدم القدرة على تصنيف الحكم.

ظلت النخب في تونس تنتقد السائد وتصف الحلول المثلى، لكنها في أول امتحان سياسي تفشل في تطبيق رؤاها الإصلاحية، فما هي أسباب ذلك؟

سبق وبينت أننا نفتقد لنخب أصليّة. ما لدينا هم مجموعة من الذين كانوا على الهامش، نفخ فيهم الإعلام وسوّقهم على أساس أنّها نخب. لدينا فقط بعض الولائيين الهواة أما النخب الأصلية فهي محاصرة.

وما أدراك ما في تونس، كل يدّعي محاربته ولكن التسريبات تثبت تستّرهم على الفاسدين، ما هو الذي ينخر تونس اليوم، وهل يتمتع الفاسدون بحصانة تمنع القضاء من محاسبتهم؟

الفساد الذي ينخر البلاد اليوم عميق ولم يكن وليد ما بعد 14 جانفي إلا أنه تضاعف عشرات المرات. فقبل 14 جانفي كان الفساد محدودا لدى ما يسمى بالحيتان الكبيرة أما اليوم فهو مشاع لدى الجميع. متشابك أفقيا وعموديا ويمس تقريبا جلّ القطاعات وهؤلاء يحمون فسادهم في إطار مغلق.

في تونس هناك فساد مرئي يتبجّح أصحاب النفوذ بجني ثماره في حين تنزل القرارات المؤلمة والعقوبات الزجرية على البسطاء وضعاف الحال ومن لا سند لهم.

الفساد ظاهرة عامة تمسّ جلّ القطاعات وجلّ البلدان بمختلف أنظمة حكمها. فالدول الديمقراطية نسبيّا لا تخلو من بعض أوجه الفساد وعادة ما يتخّذ طابعا آخر وهو لا يغيب عن رقابة أجهزة الدولة لكن ميزته أنّ آثاره لا تطال عادة البسطاء والضعفاء فهؤلاء محاطون بقوانين تحمي لهم آدميتهم وإنسانيتهم وتضمن لهم حقوقهم.

قد تغمض الدولة عينا عن الفاسدين لبعض الوقت طالما أنّ فسادهم لم يخرج من دائرته المغلقة لكن إذا ما خرج عن تلك الدائرة وخرق حقوق البسطاء ومن لا سند لهم، يقع تطبيق القوانين اللازمة.

بحكم ترؤسك لمركز جنيف للسياسة العربية، من المؤكد أن لديك عديد الأسرار التي تخفى عن كثير من التونسيين والتي تتعلق مباشرة بمعيشتهم وبمستقبلهم وبخفايا ما يحدث في البلاد، فهل تريد أن تكشف لـ «وطن” عن بعض هذه الأسرار أو الملفات الحساسة؟

بحكم عملي البحثي والاستشاري، أطّلع على الكثير من المعلومات… يصادف أن أغوص في بعض الملفات لساعات. ينتابني إحساس بالألم العميق وبالغضب الشديد… منتهى الحكاية أن ما يحدث هنا يتكرّر هناك… حرب سرّية دائرة رحاها تستعمل فيها جميع الأسلحة. من يمتلك السلاح، يمتلك كذلك الولاّعة والبنزين… على استعداد لحرق أي شيء من أجل الحفاظ على مصالحه… ألمي على ضعفاء الحال الموصدة في وجوههم الأبواب والذين يحلمون بغد أفضل… بين الواقع الاجتماعي والممارسة السياسية فضاء شاسع تختلط فيه المصالح الظرفية والمستديمة، الخاصة والقطاعية…

ما هو تفسيرك دكتور سامي لعودة الممارسات الدكتاتورية لبعض أعوان الأمن والتي تزعم وزارة الداخلية أنها ممارسات فردية؟

لا يكاد يخلو نظام من تجاوز للسلطة أو تعسّف في استعمالها. وهذا نعاينه في الأنظمة الديمقراطية والدكتاتورية. ولعل ممارسات الشرطة الأمريكية مع مواطنيها من البشرة السوداء في الأيام الأخيرة خير دليل على أن الأمر لا يتعلق بنوعية النظام بقدر ما يتعلق بسلوك عدواني أو عنصري لدى بعض رجال الأمن. قد نتحدث عن مظاهر منعزلة عندما لا يكون الأمر مؤسّساتيا لكن في بعض الحالات يتحول إلى عمل ممنهج ونسقي وهذا ما يطرح العديد من نقاط الاستفهام.

في تونس هناك تحول كبير في تعامل الأمن مع المواطن إلا أن هذا يظهر غير كاف طالما أنه لم ينبع من سلوك يومي مشبع بثقافة الاحترام المتبادل وتطبيق القوانين بسلاسة.

عموما، يجب التحلي بمزيد من الصبر وبذل مجهود إضافي للحد من مثل هذه المظاهر وهذا عمل مشترك بين المواطن والمؤسسة الأمنية.

هل ساهمت النقابات الأمنية التي تدافع عن منخرطيها ظالمين أو مظلومين في تنامي هذه الظاهرة؟

مشكلة النقابات الأمنية لا يتعلق في جانب الدفاع عن مشاكل وطلبات القطاع الاجتماعية. بل المشكل اليوم هو تحوّل النقابات إلى العمل السياسي وانخراطها في محاور الصراع الحزبي وهذا ما يؤثر على أدائها ووظيفتها الأصلية ومن هنا تحديدا تظهر الانحرافات والإخلالات والتجاوزات. دور النقابة هو الدفاع عن منظوريها اجتماعيا أمّا الممارسة السياسية خدمة لتوجّه أو تنظيم سياسي ما فهو انحراف خطير.

قلت في تدوينة حديثة لك، “كبرت في دماغي… على رأي عادل إمام ماذا لو ننادي باسترجاع جزر صقلية ولامبادوزا وبنتلاريا من إيطاليا؟ هذه أملاك تونسية ومن حق الشعب أن يطالب “القائد” السبسي باسترجاعها.” هل نفهم من قولك أن جزرنا محتلة ولا قدرة لنا على استرجاعها؟

نعم ورد ذلك في شكل مزحة. لكن واقعيا لن يكون بإمكاننا استرجاعها لعدة أسباب. الواقع اليوم مخالف تماما للتاريخ.

ما هو تقييمك لنتائج سبر الآراء التي تنشرها وسائل الإعلام التونسية مؤخرا بخصوص المشهد السياسي والسياسيين، وهل تعتقد أن مراكز سبر الآراء في تونس تشتغل بالطريقة العلمية الصحيحة للوصول إلى هذه النتائج التي يرى عدد كبير من التونسيين أنها مدفوعة الأجر؟

أنا شخصيا لم ولن أعتمد عليها بحكم عدم قيامها على الحياد والموضوعية وبالتالي عدم علمية المناهج المتبعة والتي تسعى إلى مغالطة الرأي العام وتحريف أجوبته، هذا إذا سلّمنا أصلا بوجود سبر آراء واقعي. فلا شيء يدلّل على ذلك. فأنت وراء جهاز كمبيوتر بإمكانك أن تطرح أي سؤال وأن تجيب على أي سؤال وأن تكيّفه مثلما تريد ولصالح من تريد. فلا أحد رآك ولست مطالبا قانونيا بإثبات صحة قيامك بعملية سبر الآراء وفق الشروط العلمية والتقنية.

حسب وجهة نظري، ما يسمّى بمراكز سبر الآراء في تونس لا تعدو أن تكون سوى شركات دعاية تسعى إلى خدمة أهداف دعائية لغاية تجارية بحتة.

ماذا قدم سامي الجلولي لتونس وماذا ينوي أن يقدم لها مستقبلا؟

سامي الجلّولي قدّم لتونس الكثير من النصائح بعضها وقع العمل به والبعض الآخر وقع تجاهله. المستقبل سيكون مليئا بالعمل ولن نتوانى للحظة، لا لتقديم النصائح ولكن للمرور إلى المبادرة.

حان الوقت للمرور إلى مرحلة المبادرة بدل تقديم النصائح فلنا برامجنا السياسية التي تشمل الجانب الاجتماعي، الاقتصادي، الثقافي. يبقى فقط آلية تنفيذ ذلك وهي التي نشتغل عليها الآن رفقة فريق من الأخصائيين في الداخل والخارج.

ما هي رسالتك للتونسيين وللسياسيين؟

رسالتي أوجّهها فقط للمواطنين الذين عليهم العمل من أجل تطوير مهاراتهم وتنمية جهاتهم والدفاع عن حقوقهم الأساسية. أمّا السياسيين فلا رسائل لدي لتوجيهها إليهم، لأنهم لا يستمعون وإن تظاهروا بالسمع فلا يطبّقون.

كيف تقرأ مستقبل تونس سياسيا واقتصاديا واجتماعيا؟

على السلطة إن أرادت الخروج من وضعها الحالي أن تبادر إلى القيام بإصلاحات عميقة بعيدا عن منطق التوافق والشعارات السياسية الجوفاء التي أغرقت البلاد في مستنقع التخلف والفوضى. علينا أن نبادر بالإصلاح السياسي الذي يبدأ من إصلاح قانون الانتخابات. الديمقراطية المباشرة المتمثّلة أساسا في تقنية الاستفتاء وممارستها محليا، جهويا ومركزيا تعتبر أحد أهم الوسائل القادرة على حسن إدارة الخيارات الشعبية وإيصال صوت المواطن وممارسته للقرار السياسي والسيادي.

على مستوى الاستثمار، أرى ضرورة انفتاح الدولة على الاستثمار الأجنبي وفق قانون نظام اللّزمات وذلك في البنية التحتية كالطرقات والموانئ والمستشفيات والمطارات على أن تتولى الدولة الرقابة الأمنية والإشراف.

في الأخير، علينا كذلك الاطّلاع والاقتداء بتجارب الدول المتقدّمة في قطاعات تنموية شتّى، في كيفية الاستصلاح الزراعي والتطوير السياحي وتنمية الصناعة وتحسين الخدمات. فهؤلاء الذين ينعتهم البعض بالغرب “الكافر” يستصلحون الجبال ويزرعون الكروم وسط صخورها، يغوصون في قاع الأرض أميالا لاستخراج الطاقة الكهربائية، يشقون الجبال كلومترات لمد الطرق ويستمطرون السحاب… يصنعون خيط الثوب وصبغة الألوان وإبرة الخياطة وأزرار ما نلبس… أما نحن، نقتلع الكروم من السهول، نخيّر التظلّل من الشمس الساطعة فوق رؤوسنا عوض أن ننتج منها الكهرباء، نعجز عن استصلاح طرقاتنا الرملية، ونخيّر الموت عطشا على استمطار السحاب أو تحلية ماء البحر…