“خاص-وطن”-“حاوره عبد الحليم الجريري”-بعد جولة في مختلف المناصب السياسية تقلّد السيّد محمّد أمين منصب الأمانة العامّة في حزب التجمّع الدستوري الديمقراطي الحاكم عهد الرئيس السابق زين العابدين ابن علي وواصل فيه إلى غاية  حلّه في 9 مارس 2011، وبعد أن قام 24 محامٍ بتقديم شكوى ضد عشرة من قيادات النظام القديم بسبب مسؤولياتهم ضمن الحزب ومن ضمنهم محمّد تم فتح تحقيق قضائي في حقهم لدى المحكمة الإبتدائية بتونس، بتهم متصلة بنشاطاتهم ومسؤولياتهم الحزبية وهي الاختلاس والابتزاز والسرقة وإساءة استخدام السلطة التي أضرت بالإدارة. اتهم محمد بإساءة استخدام السلطة والاختلاس في إدارة التجمع، بينما قال محاموه إن منصبه في التجمع لا يسمح له بالتصرف في الأمور المالية.

بعد توقيفه في 11 أبريل 2011 تمّ سماعه في 6 يوليو 2012 بمحكمة الناحية بجندوبة في قضية استغلال نفوذ، ولكن تركته المحكمة في حالة سراح في هذه القضية مع إبقائه مسجونا على ذمّة قضايا أخرى.

في 10 يوليو 2013 تم إطلاق سراحه بعد قرار من محكمة الاستئناف بتونس مع منعه من السفر والظهور في الأماكن العامة، ليعود على إثرها محمّد الغرياني إلى حياته الطبيعية مع تواتر ظهوره الإعلامي الذي كان يقدّم من خلاله أجوبة لأسئلة الصحافيين.

أفردنا السيّد الغرياني بحوار صحافيّ ردّ فيه على انتقاد منير (محامي ابن علي) له بسبب اعتذاره للشعب التونسي على أخطائه قائلا إنه حرّ في انتقاده (منير ) وهو أيضا حرّ في ما يعتقد وأنّه ارتأى أنه من المصلحة أن يعتذر للأخطاء والإنحرافات التي حصلت في المنظومة التي كان جزءا منها وأنّ هذا موقفه الشخصي.

وردّا على السيدة التي اتهمته بتضارب مواقفه مقارنة بعهد ابن علي أكّد أنّها ستظل حبيسة المنظومة السابقة التي تغيّرت بدورها وأنّ خطابها يدلّ على أنّها معادية للديمقراطيّة وللحريات مدلّلا بذلك على أنّ السبب الذي أضعف الحركة الدستوريّة التي تنتمي إليها هو هذا التكلّس والجمود والتقوقع في بوتقة الماضي

وفي ما يلي نصّ الحوار:

السيّد حامد القروي يقول إن الثورة قوّضت منجزات طيلة 20 سنة، هل يتبنى محمّد الغرياني هذا التصريح؟؟

أظن أن هذا يدخل في إطار التعميم، أولا الثورة لم تأت للتقويض، وهنالك بعض الآراء التي تريد أن تقطع مع الماضي وهي أقليّة، ولكن بصفة عامّة الثورة أهدافها واضحة وهي القطع مع الإنحرافات وتثمين المكتسبات والبناء عليها ومواصلة المسار، ونلاحظ أن هنالك مراجعات كبيرة في المواقف الأولى التي كانت مرتبطة بالحالة الثوريّة بين قوسين، وبين الوضع الحالي الذي وصلت إليه البلاد على الصعيد الإقتصادي والإجتماعي والتنموي.

وهذا كان مقصد السيد حامد القروي، الحالة الإقتصاديّة.

هؤلاء حتى بورقيبة صاروا يعترفون به، نفسها التي كانت في عداء مع بورقيبة صارت تثمّن إنجازاته وتعتبره زعيما وطنيا وتحرريا، فالحركات السياسيّة الهامة في البلاد آخذة في تعديل سياساتها باتجاه الأكثر واقعيّة والناس أصبحت تطرح موضوع المصالحة وقضت على كل عداوة مع الطبقة السياسيّة السابقة وصار هنالك تواصل معها، البعض من المسؤولين القدامى صاروا في أحزاب كبرى اليوم والبعض الآخر مثل السيّد الحبيب الصّيد الذي كان كاتب دولة في عهد ابن علي صار اليوم يرأس الحكومة، بحيث نحسّ بأن الأمور آخذة في التغيّر.

الأستاذ منير بن صالحة محامي ابن علي انتقد اعتذارك للشعب التونسي، ما رأيك؟؟

هو حرّ في انتقاده وأنا حرّ في ما أعتقد، وهو يبدي رأيا وليس له الحق في أن يفرض عليّ رأيه، أنا ارتأيت أنه من المصلحة التي تفرض الإرتقاء من مرحلة إلى أخرى ولمن يريد بناء مرحلة جديدة أن يعتذر للأخطاء والإنحرافات التي حصلت في المنظومة التي كان جزءا منها وهذا موقف حرّ.

السيّدة عبير موسي تقول إن مواقفك عهد بن علي تتناقض وخطبك “العصماء” التي تلقيها الآن.

طبعا مواقفي عهد ابن علي كانت تتماشى ونظام ابن علي أمّا الآن فهي تتغيّر وفق متغيّرات الظروف.

ولكن المثل يقول “من شكر ثمّ ذمّ فقد كذب مرّتين”.

ولكن هذا يدخل في تكوين الإنسان، يعني الماركسي يظلّ ماركسيّا كما كان في القرن 19؟ ألم تكن الماركسيّة تنادي بالعنف الثوري ودكتاتوريّة البروليتاريا؟ هل مازالت هذه الشعارات نافعة اليوم؟ أغلب التيارات الماركسيّة أصبحت اليوم تيارات ديمقراطية ليبيراليّة وخرجت من المنظومة الإيديولوجيّة الماركسيّة، الحركات الدينيّة نفسها صارت تعترف بالدّولة الوطنيّة وتعتمد على الدّستور وتعيش في إطار شبه لائكي وعلماني وتعتمد قوانين وضعيّة، هذه مراجعات ضروريّة، والأخت عبير موسي لازالت تعيش في نوع من الأصوليّة السياسيّة وهي جامدة، كما أنها حرة في أن تظلّ تهتف باسم ابن علي إذا أرادت. وفي الحقيقة فإن اتهامها لي بأنني غيّرت من مواقفي بين هذين العهدين لا يجوز، هل ظلت هي تخطب نفس الخطب التي كانت تخطبها في عهد ابن علي؟

على حدّ علمي نعم.

فلتواصل إذن، ولكنها ستظل حبيسة المنظومة السابقة التي تغيّرت بدورها، أما أنا فقد اخترت الإندماج في المنظومة الجديدة واعتبرت الثورة فرصة للمساهمة والمشاركة السياسيّة، فما كان ينقصنا حقّا في المنظومة السابقة هو الديمقراطيّة والحريّات وحقوق الإنسان، واليوم اكتشفنا ثمن هذا الغياب فصرنا نريد ربح معركة الديمقراطيّة ومعركة التنمية لأن الشعب في حاجة إليها وليس في حاجة فقط إلى حريّة التعبير، وعليه فأنا كرجل سياسة عليّ الإنسجام مع هذه الأوضاع والإنخراط معها ومن يتحدّث بغير هذا فهو لا يريد إلا الحفاظ على نظام تسلّطي لا ديمقراطيّة فيه.

يعني السيّدة عبير موسي تريد الحفاظ على نظام تسلّطي؟

خطابها يدلّ على ذلك، ولهذا السبب صارت الحركة الدستوريّة التي تنتمي إليها من أضعف الأحزاب الموجودة في البلاد، بعد أن كانت الأقوى.

رأيناك في مؤتمر النهضة الأخير، فهل تربطك علاقة بالنهضة ؟؟

أوّلا أنا دعيت كعضو في حزب المبادرة، وحزب المبادرة لديه علاقات طيّبة مع حركة النهضة، ولم أحضر أنا فقط، بل حضرت العديد من الوجوه والأحزاب والشخصيات من مختلف المشارب.
هل تعتبر راشد  رقما صعبا في المشهد السياسي؟؟

راشد الغنوشي صار له دور كبير في الحياة السّياسيّة، وأصبح له دور في تأمين الإستقرار وهو بصدد القيام بهذا الدّور على أحسن وجه، فهو يحترم الدستور ويحترم القانون ويحاول تغليب المصلحة الوطنيّة على المصلحة الحزبيّة ويساهم في تغيير الحركة التي يرأسها، وفي هذا ردّ أيضا للذين يقولون إنه على محمّد الغرياني البقاء على نفس مواقفه.

يعني أنت تتأسّى براشد الغنوشي مثلا؟

أنا لا أتأسى بأحد بل هي حركة التاريخ والطبيعة التي تتغيّر، راشد الغنوشي أو أي شخصية سياسيّة أخرى لا تتغيّر ولا تتطوّر أو تتأقلم مع الأوضاع الجديدة فقد حكمت على نفسها بالجمود والجمود مفسدة.

هل كنت تنظر إلى السيد راشد بهذه النظرة أيام توليك الأمانة العامّة لحزب التجمّع؟

لم يكن لديّ مشكل معه أيامها، راشد الغنوشي كان في وضع سياسيّ مختلف حينها، فقد كان بالخارج ولم يكن لحركته وجود سياسي وقتها.

ولكن ما هي نظرتك إليه في ذلك الوقت؟

نظرتي كانت هي نظرة النظام كلّه إليه، والنظام كان يرفض التعامل مع الإسلاميين، فمن كان يحدد الخيارات هو رئيس الدّولة ونحن كنّا نحترمها، واليوم رحلت هذه المنظومة فكلّ هذه الخيارات سيتمّ مراجعاتها.

هل لنا أن نعرف لماذا اختارك رئيس الجمهوريّة الحالي مستشارا سياسيا له أيام حملته الإنتخابية ولم يختر عبد الرحيم الزواري مثلا؟

في الحقيقة هو لم يكن يعرفني معرفة شخصيّة ولم يكن بيننا اتصال سابق، ولكن باعتباري من الشباب في مجال السياسة وربما من خلال قراءته لمسيرتي التي يطغى عليها الجانب السياسي أكثر من أي شيء فقد رأى أنني إنسان كفؤ غير مورّط في ملفات انتهاكات أو فساد وباستطاعتي في هذا الظرف الجديد أن أقدّم استشارات في السياسة.

ما الذي حدث باختصار في الاجتماع الذي عُقد بمقر وزارة الداخلية في الليلة الفاصلة بين 14 و15 يناير ومن اتخذ القرار برفض طلب بن علي نقض ما جاء به خطاب محمد الغنوشي الذي أعلن تولّي السلطة آنذاك؟؟

كان اجتماعا لتقييم الأوضاع في مجملها، أمنيا واجتماعيّا.

ومن اتخذ قرار عدم عودة ابن علي؟؟ هنالك من يقول إنكم اتصلتم بالسفير الفرنسي الذي لم يردّ فاتصلتم بالسفير الأمريكي الذي رفض عودته.

لا أعرف، لم أكن موجودا.

أنت كنت عضوا في خليّة الأزمة التي تأسست في بداية يناير 2011 في وزارة الداخلية، من الذي كان يشرف عليها ؟؟

لم أكن عضوا ولكنني واكبت اجتماعا وحيدا لتقييم الوضع كما قلت لك، ولقد أدليت بشهادتي فيه في التحقيقات التي مررت بها.

وما كانت شهادتك حينها؟؟

كانت حديثا عن الحالة العامة التي ناقشناها خلال الإجتماع، ولم يكن هنالك حديث عن قرارات أو ما شابه.

من كان المشرف على الخلية؟

كان وزير الداخلية آنذاك، وحضر وزير الدفاع والسيّد علي السرياطي والسيّد رشيد عمّار.

هل كانت لديكم أية معطيات على وجود حالة توتّر بين الداخلية والجيش وهل فعلا رفض رشيد عمار الإنصياع لأوامر بن علي أو أوامر خلية الأزمة؟

ليس لديّ علم بهذا، هذا السؤال يسأل لرئيس الحكومة أو وزير الدّاخليّة، أما أنا فلم يكن لديّ نفوذ.

يقال إنّ علي السرياطي أرسل من سجنه ارسالية الى محسن رحيّم (مدير عام التشريفات آنذاك) في منتصف شهر فبراير يعلمه فيها برقم هاتفه الجديد وهو في السجن، هل كانت لديك مثل هذه الإمتيازات وأنت موقوف؟؟

علي السرياطي لم يرسل إرساليات وهو في السجن على حدّ علمي، وأظن أنه اتصل بمحسن رحيّم قبل إيقافه يوم 14 من المطار وكانت تلك آخر مرة استعمل فيها الهاتف.

ماذا تعتبر الذي حدث بين 17 ديسمبر و14 يناير تحديدا؟؟

أعتبره انتفاضة شعبيّة أصبحت مع الوقت ثورة، الآراء مختلفة في مفهوم الثورة، إذا كنّا نقصد الثورة بمعنى التحوّل السياسي فهي حصلت وانتقلنا من نمط حكم إلى نمط حكم آخر، وتكوّن مجلس تأسيسيّ وأصبح هنالك دستور جديد وأنا أعتبر هذا ثورة سياسيّة حدثت في البلاد.

هنالك من يقول إنه مخطط أمريكي للتخلي عن بن علي كبداية لتكتيك استراتيجي جديد للمنطقة العربية!!

التاريخ سيبيّن هذا وأنا ليست لديّ معطيات عنه، وهو حديث أقرؤه أنا نفسي في الجرائد والمجلات ولكن ليس لديّ ما يدلّ عليه.

هل استشارك بن علي في خطابه الاخير الذي ألقاه ليلة هروبه إلى السعودية؟

لا لم يستشرني.

إذن ما كان دورك في ذلك الوقت وأنت أمين عامّ للحزب الذي يحكم؟

كنت موجودا في الحزب فقط ولم ألعب أي دور، وبن علي لم يشركني في قراراته ولم يأخذ رأيي في خطابه، كان لديه مستشاروه ورجالاته ولم يحتجني.

لماذا أُلغِيت مسيرة المعارضين الذين قررتم إشراكهم في الحكم صبيحة ؟؟ هل كان الإلغاء قرارا جمهوريا ؟؟

لست على علم بهذه المسيرة وإن كانت نظمت ثمّ منعت فليس لي فيها دخل.

ما هو الفرق بين التجمعيين والدساترة؟؟

لا يوجد بينهم فرق بل هو تواصل، أصلا اسم التجمّع اقترحته اللجنة المركزيّة للحزب الإشتراكي الدستوري.

يعني هل الدستوريون الموجودون الآن في حزب المبادرة لصاحبه السيد كمال مرجان هم تجمّعيون؟

نعم تجمّعيون دساترة، وأصلا هو اسمه تجمّع دستوري.

على كلّ، حتّى السيّدة عبير موسي تعتبر التجمعيين والدساترة تيّارا واحدا، من يمثل هذا التيار اليوم؟؟

الدساترة اليوم أحزاب ولا يوجد من يمثّلهم وكل فرد يمثّل المجموعة التي هو فيها ولا أحد يمثّل الدساترة اليوم، أمّا عبير موسي فهي تمثّل الأقلية التي تؤمن بأفكار السيد حامد القروي.

قلت إنه علينا بناء الدولة في إطار موحّد وفي إطار المصالحة، هنالك حديث عن مردودية اقتصادية كبيرة لهذه المصالحة خاصة في هذا الظرف الإقتصادي المتأزم،  هل يستطيع محمد الغرياني أن يساهم في الكشف والمساعدة على استرجاع اموال الدولة التونسية المنهوبة من طرف وجوه متعلقة بها قضايا فساد كبرى؟؟؟

محمّد الغرياني ليس نيابة عموميّة وليس وزارة وليس مكلّفا بنزاعات الدّولة.

أتحدّث عن محمّد الغرياني الذي كان إطارا في الدّولة.

لم يكن لديّ أي علاقة بهؤلاء.

يعني أنت فقط تقول إن المصالحة نافعة للبلاد وليست لديك أي خدمات تقدّمها؟

أجل، ومن تثبت عليه قضايا فساد فهنالك آليات وإجراءات قانونيّة تتخذ في شأنه.

ماذا تعتبر اعادة تركيز النُّصُب التذكارية لبورقيبة في قلب المدن التونسيّة؟؟

أعتبره شيئا إيجابيّا، ومعارضة مثل هذا النوع من القرارات هو محض مزايدات جوفاء، وآمل أن توضع نصب أخرى لكلّ الذين قدّموا أدوارا هامّة لبناء مثلنا كمثل البلدان المتقدّمة، فلا ضير في أن توضع تماثيل لحنّبعل وأملكار وابن خلدون وعقبة ابن نافع وغيرهم، وبإمكان هذه الحركة أن تنشط حتى السياحة، فالزائرون الغرباء باستطاعتهم أن يعرفوا أن ليست بلدا يتيما ولها تاريخ.

في فترة ـمانتك العامة للتجمع شهدت تونس مقدمتين لانفجار اجتماعي، واحدة في الحوض المنجمي والثانية في بن قردان، فهل ـن طبيعة النظام الأمني هي التي جعلته لا يتنبّأ بأنّ الثورة قادمة أم أن عقل الدولة كان مريضا؟؟ 

أوّلا النظام تعوّد بالأزمات، سنة 78 و84 وبعد كل فترة زمنيّة معيّنة كانت تحصل أزمة ما لأسباب معيّنة.

وهل انتظر الحزب أن تحدث ثورة في البلاد؟

لا أحد كان ينتظر ثورة تسقط النظام، وعلى كلّ ليس بضعة الآلاف الذين احتجّوا هم الذين أسقطوا النظام، بل خروج ابن علي هو الذي أسقط النظام، لكن كيف ولماذا فأنا لا أستطيع الإجابة، كان بإمكان النظام احتواء الأزمة من خلال إرساء عديد الإصلاحات التي تمكّن النظام من المواصلة كما فعل في أزمات سابقة كأزمة بن قردان وأزمة الحوض المنجمي، كانت لدينا مؤشرات على وجود غليان خاصّة على مستوى التشغيل ولم نتصرّف بالطريقة الملائمة لإيجاد حلول لهذه المعضلة وكلّ هذه الأزمات يمكن أن تحصل لكن ليس بدرجة أن تصل إلى إسقاط النظام، فالنظام سقط بهروب ابن علي لأنه كان قائما عليه.

لشيطنة المعارضين عموما والإسلاميين خصوصا، كان النظام يلتجأ الى تزوير الحقائق معتمدا على تقارير نشطاء الحزب في الجهات من الشُّعب ولجان التنسيق، هل كان حزب التجمع فعلا ذراعا لوزارة الداخليّة وهل كنت ـنت إطارا في شبكة المخبرين؟؟

النظام الذي كان لدينا هو نظام دولة وليس نظام حزب، الحزب كان يقوم بمهامه وأجهزة الدّولة كانت تقوم بمهامها أيضا، وكلّ أحزاب العالم تعدّ تقاريرها حول النشاطات السياسيّة وهذا قانونيّ وليست فيه إشكاليّات حتى في أعرق الديمقراطيّات.

انطلاقا من هذا هل يمكننا اعتبار التجمّع ذراعا كانت تابعة لوزارة الداخليّة؟

لا.

ولكن التقارير التي كانت تأتيكم كانت تحال على وزارة الداخليّة.

وما المشكل في ذلك، الحزب في الحكم ووزير الداخلية كان عضوا في الدّيوان السياسي وكانت بيننا وبين مسؤولين هم أعضاء في الحزب خصوصيّة تعاون وتنسيق، كان هنالك تبادل معلومات لحسن الأداء وهذا معمول به في كلّ العالم، أمن الدولة الشامل ليس مسؤوليّة وزارة الداخليّة بل هو مسؤوليّة جميع التونسيّين من أحزاب وأفراد ومواطنين ومنظّمات، فالكلّ يقيّم نوعيّة المعلومات والمعلومات مفيدة لأمن البلاد، وعندما يحصل الحزب على معلومة بشأن بعض الشبهات أو مظاهر التطرّف أو ما شابه فهو مطالب بالإعلام عنها.

إلى أي مدى كانت ليلى بن علي نافذة وهل كانت لك اتصالات بها؟ وهل كانت تتدخل في شؤون الحزب؟؟

لم أتصلّ بها ولم تكن لها علاقة بي، ولم تكن تتدخّل في الحزب، في علاقة بوزراء نعم يمكن أن تكون فاعلة أو متدخّلة في إطار قضاء شؤون ربما، أما في ما يخص الحزب فهي لم تكن تتدخّل، وأصلا هي لم تكن تفقه في الشأن الحزبي والرئيس نفسه لم يكن يتركها تتدخّل فيه.

هل يصْدُق من يقول إن رجل الأعمال كمال اللطيف كان أقوى من التجمّع؟؟ 

وما علاقة كمال اللطيّف بالحزب؟ كمال اللطيف كانت له مواقف سلبيّة من الحزب فقط خاصّة وأنه يتعاطى السياسة منذ شبابه وفي فترة ما تعرّض لمضايقات نتيجة خلافه مع الرّئيس وعرف بمساندته في فترة ما قضيّة الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان فقط، فهو ليس حزبا أو قوة سياسيّة ليكون أقوى من التجمّع.

في ظل خيار التوافق واستعادتك لحقوقك السياسية والمواطنية هل من المنتظر آن نرى محمّد الغرياني في منصب كبير؟؟

لو تعرض عليّ خدمة بلادي فلن أرفض والإنسان ما دام في صحّة جيّدة ومازال لديه ما يقدّمه فهو دائما على استعداد لخدمة بلاده في أي موقع، وأنا تربّيت في مدرسة سياسيّة وتربيت على خدمة بلادي بقطع النظر عن الأخطاء والتجاوزات.

ماهي الأحداث التي بقيت عالقة في ذهنك في الفترة الممتدة بين 17 ديسمبر ويوم إيقافك؟؟

حلّ التجمّع الدستوري الديمقراطي الذي كنت أتمنّى إعادة بنائه ليبقى في الساحة السياسيّة لأنه يحوي أفرادا مازالوا قادرين على إفادة البلاد.

ولكن هؤلاء الأطراف وجدوا سبلا أخرى لمواصلة السياسة كالإنضواء تحت أحزاب جديدة.

ومع هذا مازلنا نرى البلاد تعاني من عدم التوازن ولا توجد قوّة سياسيّة استطاعت تحقيق الموازنة.

حزب النداء لا تعتبره حقق الموازنة؟

كما ترى وضع حزب النداء صعب.

والنهضة؟

النهضة وضعها أفضل لأنها حافظت على وحدتها وتماسكها ومكانها، وللأسف وضعية باقي الأحزاب لا تسرّ.

كيف استقبلت نبأ هروب بن علي؟

في الحقيقة تفاجأت وعرفت أنها النهاية، لأن موقع رئيس الدولة في النظام السياسي مهمّ، لذلك أحسست بأن المهام صعبت وخفت على الوضع وعلى نفسي وعلى مستقبل البلاد والحمد لله أن الأمور تماسكت نسبيّا وإلا لكنّا دخلنا في فوضى.

هل لديك اتصال به؟

قطعا لا.

هل تحنّ إلى أيّام السلطة والى شرفة مكتبك الأعلى في بناء التجمع؟؟ 

شخصيّا لا، هنالك أفراد مازالوا يحنون إلى أيام السلطة أما أنا فلا، إذ هنالك فرق بين سياسيّ ينشأ من القاعدة مبتدءا حياته كمناضل وبين سياسيّ عيّن بقرار كموظّف، أنا ابتدأت الحياة السياسيّة منذ الجامعة وعشت السياسة بأوضاعها وتقلّباتها، وفي بعض الأحيان تجد ركونك إلى الراحة أفضل من العمل في المسؤوليات، إذ أن المسؤوليّة ليست سهلة مطلقا لأنها تأخذ منك حتى الوقت الذي تقضيه للإهتمام بشؤون عائلتك، وفي النهاية لست من الناس الذين يقتفون أثر السلطة وأعلم أنني إذا عدت إليها سوف أعود إلى المتاعب من جديد.

عندما كنت أمينا عامّا للتجمّع هل طمحت إلى مناصب أعلى مثل منصب رئاسة الحكومة مثلا؟

الطموحات كانت موجودة عندها وكنت أعرف أنه من خلال المثابرة والعمل كنت لأصل إلى أعلى المراتب، ليس رئيس حكومة فحسب بل حتى رئيس دولة.

هل تتبنّى كلام الذي يقول إن حالنا في عهد بن علي كان أفضل؟؟

المواطن الذي يقول هذا لديه حقّ، لأنه لا يفهم الأوضاع بتعقيداتها كما نفهمها نحن بحكم تجربتنا وخبرتنا، ونعرف أن مرحلة الثورة تتطلّب وقتا كي تسترجع فيها الدّولة مقوّماتها، لكن المواطن ليس لديه استعداد للإنتظار، في عهد ابن علي كان النمو يبلغ نسبة 5%، ولكي تتحسن الأوضاع اليوم نحن مطالبين بـ10% ولكننا لا نبلغها، لذلك فإن المواطن يصبح بالضرورة متحسّرا على نظام بن علي وهذا رأي المواطن العادي وليس رأي السياسي.

وما هو رأيك أنت؟

أنا رأيي وأننا في مرحلة انتقال ونمرّ بظرف صعب، البقاء داخل سياق الماضي لا يأخذنا إلى أي مكان، فحتّى لو بقي بن علي دون أية تغييرات أو إصلاحات فإن الذي حدث في 2011 كان ليحدث في أي سنة أخرى، الوضع الجديد إذا استمرّ أكثر من ذلك على ما هو عليه فإننا بطبيعة الحال سوف نصل إلى مستوى سلبي، وحدث في عديد البلدان أن عادت الدكتاتوريّات لأنّ النخب الجديدة عجزت على الإصلاح.

ألا ترى أننا في تونس عائدون إلى الدكتاتوريّة؟

في الحقيقة أنا متفائل لأننا بصدد بناء مستقبلنا على قاعدة المصالحة الوطنيّة وهذه المصالحة سوف تلغي كلّ الأحقاد والمشاكل وستعيد لمّ شمل كلّ التونسيّين في إطار المنظومة الجديدة كما ستفتح لنا بابا كي يخرج المجتمع من حالة الخوف الموجودة الآن.

كيف تقرأ طبيعة المتغيّرات الجيوسياسيّة إقليميّا ودوليّا، وماهي برأيك انعكاسات التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط على تونس؟؟

المنطقة العربيّة بصفة عامّة تعيش تحوّلات جيوسياسيّة كبيرة جدّا، لا نعرف إلى أين ستؤدّي ولا أحب أن أفهمها في إطار السيناريوهات المتلحّفة بلحاف نظريّة المؤامرة أو غيرها، ولكنني أحس بأنه توجد تحّولات كبرى، والشيء الإيجابي هو أنّ تونس نجت ممّا سقطت فيه بعض البلدان الأخرى مثل أو أو ، وأعتقد أن العالم العربي مازال يحتاج لسنوات لتحقيق الإصلاحات في بنيته العميقة، سياسيّا واقتصاديا واجتماعيّا ودينيّا وثقافيّا لكي يستطيع العيش في إطار المنظومة الإنسانيّة، أي أن العالم العربي لم يطرق بعد باب العولمة بمفاهيمها الأساسيّة وأنظمتها وقيمها من احترام حقوق الإنسان والديمقراطية، وتونس بإمكانها لعب دور في دفع عجلة الإصلاح في العالم العربي.