“خاص- وطن”- حاوره عبد الحليم الجريري- بدأ السيّد مسيرته مع السياسة منذ كان في السادسة عشرة من عمره وكان منتميا في بدايته إلى حركة الإتجاه الإسلامي التي تسببت في سجنه وهو في سن الواحد والعشرين لمدة خمس سنوات ونصف ممّا أجبره على الإنقطاع عن دراسته من كلية الطب بتونس، ودخوله في دنيا الأعمال عبر شركة “ترنزيت” ساعدته على تفريع نشاطاته وتحوّله إلى رجل أعمال صاحب شركات متعددة الجنسيات والمجالات.

 

كما أنّه عضو سابق في المجلس التأسيسي عن حزب التحالف الديمقراطي الذي استقال منه في شهر يوليو من السنة الماضية، وعضو حالي مستقل بالبرلمان التونسي ورجل أعمال ورئيس للنادي البنزرتي التونسي.

 

وقد أثار مقترح القانون الذي طرحه على مجلس النواب والقاضي بالمساواة في الميراث بين الذكر والأنثى جدلا كبيرا في الوسط الإجتماعي والسياسي والديني خاصّة، إذ لقي هجوما شرسا ونقدا لاذعا حتى من المشايخ المعروفين باعتدالهم في ، لما في مشروع القانون الذي قدّمه من تعدّ على قيم الإسلام الثابتة والواضحة كما وصفه مراقبون، وهو ما دفع بنا إلى محاورته في ما يتعلّق بهذا الشأن.

 

وتحدّث السيد بن غربية عن أن مقصده من وراء هذا المشروع كان تكريس المساواة التي يتضمنها الدستور في نصوصه وتحميها الدّولة الضامنة لهذا المبدأ والتي من واجبها الحرص عليه ومعاقبة من يتعدّى عليه تماما كما تفعل الكثير من الديمقراطيات في العالم، مؤكّدا أن القانون لا يجبر أي امرأة على وراثة النصف إذا  كانت متنازلة عنه، وأنه إذا كانت توجد اتفاقية حسب الخصوصيات الثقافية وحريّة تطبيق المعتقد لمن يعتقد في أن نسب الميراث توزّع حسب ما جاءت به العقيدة فله ذلك بشرط أن يكون الورثة متفقين من خلال مكتوب واضح وصريح.

 

وفي ما يخص اتهام السيد سليم الرياحي رئيس الحزب الوطني الحر للسيد شفيق الجراية بأنه ضمّ ثلاثة نواب إلى حزب في إطار صفقة قال المهدي بن غربية “إنه على البرلمانيين والسياسيين أن يحسّوا بقدر مسؤوليتهم، وأنّ اتهام رئيس حزب لنوابه المستقيلين بأنهم تنقلوا إلى حزب آخر في إطار صفقة يثير التوجس على مستقبل المؤسسات في البلاد ومستقبل ديمقراطيتها.”

 

 وفي ما يلي نصّ الحوار:

 

-بداية سيد مهدي بن غربية لو توضح لنا ماهو مشروع قانون المساواة في الميراث الذي تريدون اقتراحه في البرلمان خاصة وأنكم أكدتم في تصريحات إعلامية أن الموضوع أخرج من سياقه؟؟

مشروع هذا القانون اشتغلت عليه بمعيّة مجموعة من الكفاءات في القانون الدستوري وفي علم الإجتماع وفي العلوم الحضارية والمسائل الإحصائية، وبصفتي نائبا في مجلس نواب الشعب ودوري هو القيام بطرح مقترحات القوانين أمام المجلس، قمت بطرح هذا القانون، وهو ما عرّضه لحملة تشويه كبيرة رغم أننا قصدنا من ورائه تكريس المساواة التي يتضمنها الدستور في نصوصه وتحميها الدّولة الضامنة لهذا المبدأ والتي من واجبها الحرص عليه ومعاقبة من يتعدّى عليه تماما كما تفعل الكثير من الديمقراطيات في العالم.

 

وكما جرى في تاريخ تونس التي أنشأت دستورا سنة 1861 والتي كانت رائدة في مثل هذه المجالات، بداية بإلغاء الرق والعبوديّة وانطلاقا من مؤلفات الطاهر الحداد الذي تحدث منذ 1930 عن حريّة المرأة ونصيبها في الميراث، وبدءا مع الحبيب بورقيبة مؤسس الدولة الوطنية التي سنّت مجلّة الأحوال الشخصية بما حملت من منع للتطليق الأحادي وتعدد الزوجات، ووصولا إلى دستور 2014 كرسنا مبدأ المساواة أمام القانون على أن تتعامل الدولة مع مواطنيها دون تمييز، والفصل 46  في الدستور يعمل على الحفاظ على مكتسبات المرأة وتدعيمها، واعتبارا لهذا المنطق قدّمنا مبادرة تترك الإختيار في مسألة الوراثة، أي بمعنى أنه للورثة الحق في تطبيق القانون الحالي للميراث، مع التذكير أننا في تونس لا نملك محاكم شرعية بل نملك قوانين وضعيّة تنظّم موضوع الميراث تماما كما تنظم مجلة الأحوال الشخصية أمورا أخرى، وعليه فإننا لا نجبر امرأة على وراثة النصف إذا  كانت متنازلة عنه، وقلنا في الفصل الأوّل من القانون إنه في صورة غياب أي اتفاق مكتوب بين الورثة يتمّ اقتسام الورثة بين المرأة والرّجل حسب تساوي الوضعيات أي تساوي درجة القرابة، بما يعني أنّ القاعدة هي المساواة مثل كلّ الديمقراطيات، وإذا كانت توجد اتفاقية حسب الخصوصيات الثقافية وحريّة تطبيق المعتقد لمن يعتقد في أن نسب الميراث توزّع حسب ما جاءت به العقيدة فله ذلك بشرط أن تكون كل الأطراف متفقة.

 

اليوم، قانونا في تونس، كل فتاة من حقها أن ترث بقدر ما يرث أخوها، فإذا ارتأت برضاها المكتوب والصريح ألا ترث نفس ميراث أخيها فهي حرة ولها ذلك.

 

-ولكن آيات الميراث في الكريم مفصّلة ومدققّقة، ما الذي دعاكم إلى تجاوزها وتقديم مشروع قانون لتقنين المساواة في الميراث بين الذكر والأنثى؟؟ ألا ترى في ذلك اجتراءً على كما أسماه مراقبون ؟؟

أوّلا أنا لم أحل حراما ولم أحرّم حلالا، أنا إنسان مسلم وأعتقد أن نعمة الإسلام هي أعظم ما أنعم عليّ الله به في هذه الدنيا، ولا أناقش الأحكام الإلاهية مطلقا، بل أنا بصدد مناقشة قانون وضعي، فقانون مجلة الأحوال الشخصية هو قانون وضعي جرّم تعدّد الزوجات مع أن القرآن أحلّه، سمح بالتبني مع أنه ممنوع، أنا لست بصدد مناقشة آيات قرآنية، بل أنا ملتزم بالدستور الذي أقررناه سنة 2014 والذي يقول إن السيادة للشعب وأن الشعب هو مصدر التشريع عبر نوابه المنتخبين وأن مرجع القوانين هو الدستور، كان هنالك رأي آخر وهو أن تكون الشريعة مصدرا للتشريع وهو الرأي الذي لم يكن الرأي الغالب ولا الرأي الذي سارت عليه الجمهورية الثانية، ثمّ إننا لم نفرض على الرجال أن يرثوا مثل النساء بل قلنا إنهم أحرار في ما يتفقون وأذكرك أن مبدأ المشاركة في الوطن هو المواطنة، وليس الإنتماء الديني أو العقدي وهو ما يدعمه الفصل الذي يتحدّث عن حرّية الضمير.

 

هنالك جمعيات تدافع عن المرأة ترى أن ما قدمناه هو ما دون المأمول بل تطالب بأن تكون المساواة مطلقة، ولكننا رفضنا وفتحنا بابا متناغما مع المنهج الدارج في تونس خاصة بعد القيام باستطلاعات رأي بيّنت أن التونسيين موافقين في أغلبهم على مبدأ المساواة في الميراث.

 

لا أحب الدخول في المسائل الفقهية لأن الفقه له أصحابه ولكن بالعودة إلى التراث الفقهي نجد أن الرجل سابقا كان ينفق على امرأته، بينما في الوقت الراهن الأمر مختلف، حيث أن المرأة حسب استطلاعات الرأي التي قمنا بها تنفق تماما بقدر ما ينفق الرجل، في السابق كان مهر المرأة ما يعادل ثروة، اليوم صار المهر دينارا واحدا أو ثلاثين دينارا على أقصى تقدير، حتى طريقة تربية الذكر والأنثى صارت متساوية والإنفاق عليهما أيضا متساو، اليوم نسبة الإناث في الجامعة 60 في المائة ونسبتهنّ في اليد العاملة 35 في المائة ولكن نسبتهنّ في التملّك قليلة جدّا ولا يوجد نساء صاحبات أملاك في تونس تماما كما هو الحال في العالم العربي وسبب ذلك أن انتقال الملكيّة يتم دائما حسب ما يقرر صاحب النصيب الأكبر، وعليه فإني أقول لهؤلاء الذين اتهموني بالإجتراء على القرآن أنني بريء مما يقولون.

 

-السيد مفتي الجمهوريّة يقول إنّ مثل المطالبة بالمساواة في الميراث يحرّض الدّواعش، ويقول أيضا “إن اكتساب أصوات النساء لا يكون بهذه الطريقة”، هل حقّا يتودّد المهدي بن غربية للنساء من أجل كسب أصواتهنّ؟

على السيّد عثمان بطّيخ أن يعي أنه يرأس مؤسسة إفتاء لذلك نرجو منه أن يحترم دوره وألّا يتدخّل في أداء مؤسسة تشريعيّة ويقدم أحكاما على أداء السياسيين، ثانيا الدواعش لا يهمهم ماهية قانون الميراث في تونس، بل إنهم يتبنّون فهما معيّنا وفكرا خاصّا بهم وهو فكر سلفي أصولي له جذوره التاريخية ويطالب بتطبيق حرفيّ لكلّ أحكام الشريعة وتطبيق الحدود جميعها وإلغاء كل المؤسسات التي تظهر لهم على أنها حرام مثل بنوك التأمين والربى وهذه رأيتهم، أمّا نحن فقد قمنا بسن دستور وضعي ليس إرضاء للدواعش ولا إغضابا لهم أيضا.

 

بالنسبة لمسألة التودّد للنساء أقول إن مطالبتنا بهذا القانون هي مطالبة لأجل أجيال من التونسيين ولا علاقة له بالتودد ولا النساء، وأنا أوقّر المرأة وفي توقيري لها توقير لأمّي التي ربّتني مع خمسة أطفال، واعتراف بالجميل لأخواتي الفتيات اللواتي جبن سجون الجمهورية كلّها من أجلي أيام كنت سجينا سياسيّا ولزوجتي اليوم وابنتي غدا.

 

-أوردت إحدى الصحف الأسبوعية التونسية ردا ساخرا من السيّد محمّد شلغوم على مطالبتك بتشريع هذا القانون حيث قال لك ” إنه لا يستغرب منك دعوة (من باب المساواة أيضا) إلى فتح بيوت دعارة رجاليّة تخصّ النساء، كما وُجدت بيوت دعارة نسائية مخصصة للرجال، وقال إن المنطق الذي أملى عليك الدعوة إلى المساواة في الميراث يفرض عليه الدعوة إلى المساواة حتى في الخناء!! كيف تردّ؟؟ 

في طرحنا لقانون المساواة أردنا تكريم المرأة التي ظلّت لغاية سنة 1918 لا تستطيع الإنتخاب في بريطانيا وظلت لا تنتخب أيضا في لغاية 1944 تحت ذريعة “ازدواجية مزاجها”، وكانت تعتبر عند الإغريق مجرّد روح وكانت عند الجاهليّة موؤودة، أنا لا أعرف دور خناء للنساء ولا للرجال ولا أجيب على مثل هذه الأسئلة البليدة وأدعو للسيد شلغوم بالهداية فقط.

 

-ما رأيك بالدعوات المتكررة لتقنين عمل “جمعيّة شمس” للمثليّين ؟ 

ما أعرفه في ديننا هو أن الناس أحرار في ما يفعلون في منازلهم، كما أعلم كذلك أن الدستور في فصله السادس يقول إن الأسرة هي الخلية الأساسيّة في المجتمع وعلى الدّولة حمايتها، وفي اعتقادي أن الأسرة لا تقوم إلا برجل وامرأة، مسألة الأقليات لا يجب أن تأخذ حيزا أكبر مما يجب وأعتقد أن حديث الرأي العام في حقوق المرأة وطرق ضمانها أفضل بكثير من الحديث في أمور مثل المثلية الجنسيّة أو ما شابه.

 

-هل يستطيع مهدي بن غربيّة أن يشرح لنا كيفيّة تنقّله من الإنتماء إلى التيار الإسلامي الذي كان قريبا من التيار الجهادي في بداياته، إلى التيار التقدّمي الحداثي الذي يقدّس مدنيّة الدولة ويؤمن بوجوبية فصلها عن الدّين؟؟

نعم كنت أتبنّى فكرا إسلاميّا إخوانيّا ثم اعتقدت في تطوّر هذا الفكر فكما قرأت لسيّد قطب وأبي العلاء المودودي قرأت إثر ذلك لمحمّد عبده والطاهر الحداد ورفاعة الطهطاوي ومحمّد أركون وحسن حنفي وأعتقد اليوم أن انتماءنا للإسلام والعروبة وانتماءنا الحضاري هو جزء لا يتجزّأ من مكوّنات شخصيتنا، لكن ما يجب أن نؤمن به أيضا هو مدنيّة الدولة والعيش المشترك بيننا وهذه هي قناعاتي منذ ما يقارب العشرين عاما، وأعتقد أن الإسلام السياسي قدره أن يتحوّل إلى أحزاب محافظة، وأعتقد أن مستقبل العالم ومستقبل الإنسانيّة يكمن في دول مدنيّة، فإذا قبل الإسلام السياسي التطوّر على هذا الأساس فسيكون قوّة، أمّا إذا ظل على انتكاسه وارتباطه بمسائل الحاكميّة فسيبقى دوما خارج سياق التاريخ، حركة النهضة في اعتباري تسير على نهج الدولة المدنيّة وقد تصبح قوّة.

 

-إذن لماذا لست منتميا إليها؟

حركة النهضة آخذة في التطوّر ولكن ليس بالشكل الكافي، وأعتبر أنها حركة إسلامية متجهة في الإتجاه الصحيح ولكنها ما تزال مختلفة عن الشكل الذي أتصوّره لذلك أنا لست منتميا لها، وأرى أنّ الرهان الإستراتيجي لبلد مثل تونس هو أن تسير النهضة وغيرها من الأحزاب الإسلامية على نهج المدنيّة، على عكس ما يراه بعض السياسيين الآخرين من ضرورة تهميش الحركات الإسلامية وإقصائها وهو ما سيؤدّي إلى انغلاقها، فلو لم يدخل الإسلاميون إلى السجون لما تطرّفوا على النحو الذي نراه اليوم، واقرأ لسيّد قطب قبل دخوله السجن وبعده ولاحظ الفرق، فالجماعة الإسلامية المتطرّفة الموجودة اليوم من الإخوان في مصر نشأت في سجون جمال عبد الناصر، ومن محاسن حركة النهضة أنها لم تتحوّل إلى حزب جهادي في السجون.

 

-سمير ديلو يقول إنه من المستحيل أن تتطوّر حركة النهضة أكثر من هذا ويقول إنه من المستحيل أن تتخلى عن خلفيّتها الإسلاميّة، ما رأيك؟؟

الديمقراطي عندما يتطوّر يظلّ ديمقراطيّا، اليساري عندما يتطوّر يظلّ يساريّا، لا أحد يطالبه بالتخلي عن جذوره، فحتّى بتطور حركة النهضة فإنها ستظل ذات مرجعيّة إسلاميّة، المهم في كل هذا هو الإيمان بضرورة العيش المشترك بيننا جميعا وهو ما يقتضي مدنيّة الدّولة.

 

-ولكن ما رأيك في قول القيادي البارز في حركة النهضة السيد لطفي زيتون إنهم فصلوا بين الدعوي والسياسي في الحركة وأنهم قاموا بمراجعات صلبها وهو ما يتناقض مع كلام السيّد ديلو؟   

الإختلافات صلب الأحزاب أكثر من الإختلافات بين الأحزاب نفسها أحيانا، ولكنني أرى أن قدر الإسلام السياسي إذا أراد أن يكون فاعلا في التشكيل  العالمي أن يتبع مدنيّة الدولة.

 

-الهجومات الإرهابية تتواتر على تونس وآخرها هجوم يوم الأربعاء بمحافظة تطاوين، من برأيك متسبب فيها وكيف السبيل إلى انهائها؟؟

الإرهاب لن ينتهي إلا بتظافر الجهود والوحدة الوطنية والثبات على الدستور الذي أسسناه وهو دور رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ودور مجلس النوّاب ودور النخب السياسية والأحزاب والجمعيّات، الإرهاب ينتهي عبر الإصلاحات الإقتصاديّة أولا ومن ثمّ الحوار والتأهيل وإقناع الشباب خاصّة بضرورة عدم تكفير المخالفين لهم في الرأي من خلال أهل الدين سواء كانوا من الإسلام التونسي التقليدي أو حتى من الإسلام السلفي الذي يستعمل الكلام اللين، من حق أيّن كان نشر دعوته كما يحب ولكن بعيدا عن العنف.

 

-أجبتني عن سبيل الخلاص من الإرهاب ولم تجبني عمّن تراه مسؤولا على تفشّيه، هنالك إجماع خاصّة من يساريي على أنّ النهضة هي المسؤول الأوّل ويصرّون على التذكير في كلّ مناسبة بأن السلفيين “يذكّرون السيد راشد الغنوشي بشبابه”، ما رأيك في هذه الإتهامات؟

من المؤكّد أن ضعف الدولة والفراغ الأمني الذي عشناه منذ 2011 أعطى أكثر إمكانية للفوضى بما أعطى موطئ قدم للإرهاب، ونحن عشنا الإرهاب حتى أيام تماسك الدّولة كأحداث سليمان وأحداث “معبد الغريبة” فالظاهرة بالتأكيد هي عالميّة بالأساس، واليوم كلّنا قصّرنا في تقدير هذه الأزمة، وقد تمّ التسامح مع البعض من هؤلاء وعليه فإنّ تحديد المسؤوليّة وإلصاقها بفلان أو فلتان لتصفية حسابات سياسيّة يقلّل من حجمها ولا يدع لنا المجال لحلّها.

 

-تدخّل المال في السياسة والنفوذ هو موضة عابرة للقارات، وعدد المورطين في استغلال مالهم لتحقيق مآرب سياسيّة لا تحصيه أصابع اليدين، ألا يكون المهدي بن غربية -رجل الأعمال- من بين هؤلاء، خاصّة وأنه يخصص ساعات لمنصبه كنائب يوميّا مع أنّه صاحب مجمع للشركات؟

بدأت العمل في السياسة عندما كان عمري 16 عاما، ودخلت عالم الأعمال بعد أن حرمني ابن علي من مواصلة دراستي، وأسست شركة “ترنزيت” ساعدتني على أن أكون صاحب شركات في تونس وشركة في فرنسا وشركة في والآن نحن بصدد إنشاء شركة في الصّين، وعلاقة السياسة بالمال موجودة في العالم أجمع، ومالي مكّنني لي الفرصة كي أعبر عن أفكاري دونما تبعيّة لأين كان، ولست محتاجا لأحد ليدعمني في انتخابات، ثمّ إن مؤسساتي كلها خاصة وليست لديّ أي علاقة بمؤسسات الدولة كي أستغلّ نفوذي من أجلها والسياسة نهاية هي معركة عمر بالنسبة لي وبدأت معها منذ كنت صغيرا وستواصل معي دائما.

 

-ألا تؤثّر السياسة على عملك؟؟

بالطبع لديّ معاونون ينوبونني في تسيير أعمالي وأنا مالك لشركاتي أكثر منه مسيّرا لها.

 

-بالعودة إلى السياسة، لماذا طالب مهدي بن غربية رئيس الحكومة بإقالة الوزير ياسين ابراهيم و”جماعته” كما أسماهم؟؟

موقفي كان واضحا في ما يخصّ كلام ياسين ابراهيم حول ظروف  البنك المركزي، ولم يعجبني أن يطعن في الحكومة وفي أدائها فإما أن نكون متضامنين مع حكومتنا خاصة وأن وضعها صعب وإما أن نكون ضدها، لا مجال للكيل بمكيالين، ومطالبتي بإقالة الوزير ياسين ابراهيم كانت متزامنة مع ملفّ “لازار” ولم تكن مطالبة مباشرة بإقالته بل كنت أقول له لو كنت مكانك لاستقلت.

 

-ما الذي تعنُونه بضرورة إعادة صياغة خارطة سياسيّة للبلاد؟؟ 

نعتقد أن التحالف الرباعي الذي تمّ هو شجرة أخفت التحالف الثنائي الحقيقي (النداء والنهضة)، وكنّا لدى هذا التحالف في أزمة تشكيل حكومي وقد خرجنا مؤخرا من أزمة سياسيّة (اعتداءات واستجلاب لنواب جهة لجهة أخرى) حتّمت علينا تحديد طبيعة هذا التحالف السياسي وهل في مقدرته المواصلة أم لا.

 

-ما هو رأيك في اتهام السيّد سليم الرياحي بأن السيّد شفيق الجراية هو “زعيم نداء تونس” وأن نواب كتلة حزب الوطني الحر الذين انضموا للنداء انضموا اليه في اطار صفقة؟؟

في الحقيقة هذا أمر مؤسف يثير خوف التونسيين ونفورهم من الحياة السياسية وتقززهم منها ويفقد الحياة من البرلمان ويقلل من الثقة في السياسيين وفي المؤسسات، لذلك على البرلمانيين والسياسيين أن يحسّوا بقدر مسؤوليتهم، فاتهام رئيس حزب لنوابه المستقيلين بأنهم تنقلوا إلى حزب آخر في إطار صفقة يثير التوجس على مستقبل المؤسسات في البلاد ومستقبل ديمقراطيتها.

 

-ألا يمكن أن نرى اسمك مذكورا في القادم من وثائق ؟؟ وما رأيك في الأسماء التي أوردتها هذه الوثائق؟؟ 

أعدك وعدا قاطعا بأنك لن ترى اسمي واردا لا في وثائق بنما ولا في غير وثائق بنما، وأعلمك أن أموالي كلها موجودة في تونس.

 

-ولكن هذا ما يدعيه كلّ رجال الأعمال التونسيين.

أؤكّد لك ما أقول، وأذكرك بأننا اليوم في تونس لدينا آليات للإستثمار في الخارج عبر البنك المركزي، لدي شركة في فرنسا وشركة في تركيا أنشأتهما عبر البنك المركزي في تونس، بالنسبة للأسماء الواردة في وثائق بنما فإننا نطالب بأكثر شفافيّة في إعطاء المعلومات وبأن تعطى الأسماء كلّها في مناسبة واحدة ولدينا لجنة برلمانيّة ستتكفّل بالتحقيق في الموضوع وعلى كلّ الأسماء المذكورة أن توضّح الشبهات الحائمة حولها.

 

-بصفتك برلمانيّا، هل أنت راضٍ عن الأعضاء الموجودين في اللجنة البرلمانية التي انبعثت للتحقيق في موضوع المورطين في وثائق بنما؟؟ ألا يمكن أن يكون بعضهم من الموالين للسيد مثلا؟؟

أكيد أنه يوجد في البرلمان موالون لبعض الأسماء المذكورة، لكن اللجنة البرلمانية تحوي أعضاء من جميع الأحزاب، وما سيتمّ اتخاذه من قرارات سيتمّ الإجماع عليه من كلّ الأطراف، وبالتالي لا يوجد مجال للمغالطة، أما إذا كنت تقصد مدى فاعليّة هذه اللجنة فهذا متعلّق أساسا بالمعلومات التي ستقدّم إليها.

 

-لماذا لجأت كل الدول إلى القضاء في حين أسسنا نحن لجنة برلمانيّة؟؟

نحن أيضا لجأنا للقضاء، فبالتوازي مع عمل اللجنة البرلمانيّة، قام وكيل الجمهوريّة بفتح تحقيق في الغرض بمعيّة وزير أملاك الدولة.

 

-دوليّا، ماهو توصيفك للأوضاع في العالم العربي؟؟

أعتقد أن تونس هي الدولة الوطنية أو الدولة الأمة الوحيدة في المنطقة “the nation state” وما يتمّ في تونس دليل على أن ما حدث هو ربيع عربي، ولعلّ ذلك يعود لما لتونس من خصائص في تاريخها المعاصر وشعبها وحضارتها وثروتها الوطنيّة، ما مكّنها من أن تحصل على مكان الريادة وفي أن تكون سباقة إلى التوافق والإنسجام، بالنسبة لباقي دول الربيع العربي فإنني أعتقد أن التاريخ لا يسير إلا في اتجاه واحد، نعم يتعثر ويتردد لكنه لا يعود إلى الوراء أبدا، والتاريخ يأخذنا نحو الحرية والمبادئ الكونية لحقوق الإنسان ويعزز فكرة أنه لم تعد هنالك إمكانية لحكم الناس بالحديد والنار.

 

-ما موقفك من الإنقلاب في مصر مثلا؟؟ 

مؤكد أن الإخوان أخطؤوا في مصر، ولكن هذا لا يعني إيقاف التجربة الديمقراطية بجرّة قلم، فوجود حكم عسكري أتى فيما بعد بانتخابات لن يحلّ المشكل في اعتقادي، بل أرى أن الحوار في مصر بين كل مكونات المجتمع المدني والسياسي هو الذي سيحسم الأمر خاصة بتقديم تنازلات متبادلة والقيام بمراجعات من طرف الجميع، بالنسبة لليبيا فإنني أرى أن الأولوية فيها هي محاربة “داعش” ومن ثم لا خوف عليها لأن شعبها رغم بعض النزعات القبلية متجانس وله ثروات طبيعية سوف تساعده على المرور من الأزمة، أما فنعتقد أن المسألة قد وقع تدويلها وأن إرادة السوريين دخلت عليها إرادات أخرى، لذلك فإني أدعو السوريين إلى تجاوز خلافاتهم من أجل اللحمة الوطنية.

 

-وما موقفك من النظام في سوريا ؟

بالتأكيد هنالك جرائم ارتكبها في حق السوريين وهي جرائم ضد الإنسانية ولا تغتفر، ولكن علينا الحديث أيضا عن الحرب الأهلية التي قامت هناك على أساس طائفي وإثني، فالمسألة صارت أعقد من أن يسقط نظام لتعوضه معارضة، والمستقبل في سوريا يطرح أكثر من سؤال حول ماهيّته…