“خاص- وطن”- حاوره عبد الحليم الجريري- الأستاذ محمّد عبّو هو محام لدى محكمة التعقيب بتونس، عرف بنشاطه في مجال حقوق الإنسان، وهو أحد مؤسسي الجمعية الدولية لمساندة المساجين السياسيين وعضو في المجلس الوطني للحريات بتونس، وكان كذلك عضوا في اللجنة التوجيهية في جمعية المحامين الشبان، وعضوا في المكتب التنفيذي لمركز لاستقلال القضاء والمحاماة.

 

تمّ توقيفه في 1 مارس  2005، وحكم عليه في 29 أفريل/ ابريل بثلاثة سنوات و6 أشهر سجنا بسبب نشره لمقالات على موقع تونس نيوز (Tunisnews) المعارض لنظام زين العابدين بن علي، وتحديدا مقال “بن علي-شارون” الذي قام فيه بمقارنة بن علي برئيس وزراء إسرائيل أرئيل شارون.

 

بعد الثورة التونسية وسقوط نظام بن علي، تم انتخابه كنائب في المجلس الوطني التأسيسي التونسي عن دائرة ولاية نابل الأولى, ثم عين في 24 ديسمبر الموالي كوزير لدى رئيس مكلفا بالإصلاح الاداري في حكومة حمادي الجبالي.

 

في 13 ماي/ مايو 2012 وبعد انعقاد مؤتمر حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، تم انتخاب عبو ليكون الأمين العام للحزب خلفا لعبد الرؤوف العيادي.

 

أعلن محمّد عبّو استقالته من الحكومة أثناء مؤتمر صحافي في مقر حزب المؤتمر بسبب صلاحياته المحدودة التي لا تسمح له بمقاومة الفساد، ثمّ استقال من حزبه سنة 2013 معلنا إرادته تكوين حزب ديمقراطي اشتراكي جديد وهو المعروف اليوم بحزب التيار الديمقراطي.

 

إلتقينا بالأستاذ عبّو في حوار صحفيّ وسألناه عن سبب وقوف حزبه حجر عثرة في طريق المصالحة الوطنيّة التي دعا إليها رئيس الجمهوريّة فأجابنا بأن هنالك مغالطة كبرى للتونسيين من طرف ذكي يميل إلى إفساد الحياة السياسيّة في تونس وهو طرف يحسن استعمال الخطاب البسيط المبسّط والشعبوي حسب قوله، مضيفا أنّ هذا الطّرف يريد تقديم نفسه في صورة المتسامح وتقديمهم على أنّهم حقودين وقد كان يقصد حركة والنّداء بالتحديد.

 

وذكّر محمّد عبو في هذا الحوار بأنه لو ثبت أن أحزابا تتلقى أموالا من جهات أجنبيّة فإنه عليها ان تعلم بأنها ترتكب جريمة عقوبتها خمس سنوات سجنا حسب قانون الأحزاب الحالي، وأنه يجب على الحزب الذي يتلقى أموالا من الخارج أن ينتهي ويقع القضاء عليه سياسيّا، مشيرا إلى أن الحزب الذي مدّ يده إلى الخارج بالنسبة له هو خائن وجاسوس ومنحدر أخلاقيا،

13094282_1055362377844218_865279640912880528_n

وفي ما يلي نصّ الحوار: 

-أكدت على صفحتك أن حزبكم ضد مبادرات المصالحة وقلت إنكم ستتصدون لها بكل الطرق والاجراءات، هل لنا أن نعرف ما هي هذه الطرق وكيف سيتصرف حزب التيار اذا ما مُرّر هذا القانون؟

 

أوّلا تجدر الإشارة إلى أن هنالك مغالطة كبرى للتونسيين ويبدو أنّ الطرف الذي يميل لإفساد الحياة السياسيّة في تونس هو طرف أذكى منّا في شيء وهو أنّه يحسن استعمال الخطاب البسيط المبسّط والشعبوي، ويبدو أنّه يحظى برواج هذا الخطاب من قبيل أن يأتي ويقول “نحن مع المصالحة والذين هم ضدّها هم ضدّ القانون” ويريد تقديم نفسه بصورة المتسامح وتقديمنا على أنّنا حقودين.

 

-من هو هذا الطّرف تحديدا؟

طبعا بشكل عام هما حركة النهضة ممثلة أساسا في رئيسها وحركة وهذه هي أفكارهم وأفكار بعض قياداتهم من الذين يشددون على وجود عديد المشاكل في تونس التي لا تحلّ إلا بالمصالحة، وعليه فإن أولى أشكال المقاومة بالنسبة لنا هي توعية الناس بأنّ قانون المصالحة موجود أصلا منذ ديسمبر سنة 2013 من خلال قانون العدالة الإنتقاليّة الذي يتحدّث عن المصالحة والذي يحوي صنفين من الجرائم:

 

الجرائم الماليّة وتتطلّب الإعتراف بالجريمة، الإعتذار وتقديم معلومات صحيحة ومن ثمّ دفع التعويضات، والجرائم الماديّة كالتعذيب والإنتهاكات الخطيرة التي يشملها قانون المصالحة لكنّها تستوجب الإحالة على القضاء، وإذا أحيل المتّهم على القضاء فهو يعاقب بأخف العقوبات ويمكن عدم إحالته من باب الإجتهاد وإذا أحيل كما قلنا فهو يحكم بأقلّ العقوبات، وهذه هي الفلسفة الأساسيّة لقانون العدالة الإنتقاليّة بالإضافة إلى كوننا مطالبين بمعرفة بعض الأشياء فيه.

 

-يعني إذا تمّت المحاسبة في إطار ما يسمّى بالعدالة الإنتقاليّة فليس لديكم مشاكل؟

بالضبط، نحن متفقون في قانون العدالة الإنتقاليّة وحتّى ولو كنّا غير مقتنعين به فالوفاق بين المجتمع والمعارضة (التي تحترم نفسها) يفرض علينا الوفاق معه، ونذكّر مرة أخرى ونقول إن قانون المصالحة موجود وأننا لا نعترض على المصالحة إلا إذا كانت خارج إطار قانون العدالة الإنتقاليّة المقدّس بالنسبة لنا، أقول لك ما يريدونه هم، هم يريدون لجنة خاصّة برئيس الجمهوريّة وبالأحزاب الحاكمة يقومون من خلالها بضبط الأمور مع الفاسدين وليس كل الفاسدين، بل الذين يقدّمون ملفاتهم عن طوعيّة وليس للدولة الحق في أن تعلم باسم مقدّم ملفّه للمحاسبة ولا بالعقوبة التي ستنفذ ضدّه، وأعلمك بأنّ بعض الفاسدين همّوا بتقديم ملفاتهم إلى هيئة الحقيقة والكرامة ثمّ بمجرّد ورود معلومات إليهم بمبادرة رئيس الجمهوريّة تراجعوا لأنهم فهموا نفس ما فهمنا وهو تبييض الفاسدين، لذلك فإنّ حزبنا (التيّار الديمقراطي) متشبّث باتباع ما ينصّ عليه الدستور وهو الالتزام بقانون العدالة الإنتقالية.

 

-عماد الطرابلسي طالب اليوم بتقديم ملفّه إلى هيئة الحقيقة والكرامة، ما رأيك؟

حسب معلوماتي الخاصّة فإن عماد الطرابلسي طالب بتمتيعه بقانون العدالة الإنتقاليّة منذ مدّة وليس اليوم فقط، ولكن وسائل الإعلام تحدّثت عنه اليوم، وليس هو بمفرده من طالب بهذا بل أيضا هنالك معه أنفار آخرون من “الطرابلسيّة”، ويمكن لعماد الطرابلسي الخروج من السجن حسب قانون العدالة الإنتقاليّة في حالة واحدة، وهي كتابة تصريح صادق بالإعتذار والإعتراف وتقديم التعويضات العينيّة حسب ما صرّح به، ويستأنف الحكم ويعاد فتح الملفّ من جديد في صورة ثبوت إخفائه لجزء من الأموال وتصريحه فقط بجزء قليل ممّا يملك.

 

من ناحية ثانية -وآمل أن ينتبه القرّاء لهذا-، يوجد من الفاسدين 114 شخصا من ضمنهم شيبوب من المفروض ألا يكونوا أمام قانون العدالة الإنتقالية لأنّهم موجودون في مرسوم المصادرة المسنّ في 2011 وكلّ أملاكهم بالداخل التونسي مصادرة بطبعها بما يحيلنا على مفارقة كبيرة، إذ كيف يعلن أحدهم أمام هيئة الحقيقة والكرامة مسروقاته ويعد بإعادتها وكيف سيأتي بعشرة مليارات مثلا والحال أننا إذا انتبهنا أنه لديه هذا المبلغ فلن نحاسبه بقانون المصالحة بل ستتكفّل لجنة المصادرة بذلك وستسترجع هذه الأموال منه بوصفه امتلكهم منذ 7 نوفمبر 1987 وحتى 14 جانفي 2011، وفي الحقيقة كلّنا نعرف ما وراء هذا إذ أنّ معظم هؤلاء الفاسدين لديهم أموال بالخارج وسيبحثون بطريقة أو بأخرى سبل إدخال البعض منها لسداد ديونهم والتمتع بعفو قانون المصالحة، فمن نجى منهم ببعض ماله فسيحاسب عليه يوم القيامة وكفى.

 

-قلت إن مشروع المصالحة ليس إلا ردا للجميل من قبل حركة النهضة والنداء لمموليهما في الانتخابات الفارطة؟

طبعا، أنظر إلى هذه البناءات الشاهقة لحركة النداء وحركة النهضة وانظر إلى هذه الإمكانيات الضخمة، وفي الحقيقة سؤالك مناسب لنطرح سؤالنا، من أين تأتي هذه الأحزاب بأموالها، مصادر تمويل حزبنا موجودة ومنشورة أما هم فمن أين يأتون بأموالهم يا ترى؟ لو ثبت بأنهما يتلقيان أموالا من جهات أجنبيّة بعد الثورة –ودعنا ممّا قبلها- فإنه عليهما ان يعلما أنهما ارتكبا جريمة عقوبتها خمس سنوات سجنا حسب قانون الأحزاب الحالي، ثانيا وحسب تصوّري فإنه يجب على الحزب الذي يتلقى أموالا من الخارج أن ينتهي ويقع القضاء عليه سياسيّا، فمن مدّ يده إلى الخارج بالنسبة لي فهو أخلاقيا كمثل الخائن الجاسوس.

 

-هل يمكن لكم مدّنا بدليل على مثل هذه الفرضيات؟

لدينا قرائن وليس أدلّة، القرينة الأولى هي دعمهم لكلّ من له علاقة بتهم فساد والقرينة التي تسبقها هي علامات الثراء البادية عليهم ووجودهم حاضرين وفاعلين كلّما تعلّق الأمر بقضايا الفاسدين، كل هذا طبعا يجعلنا متأكدين من أنّهم يردون الجميل إلى من موّلهم، كما أننا نعرف عقليّة صاحب المؤسسة في تونس، يستطيع مثلا دفع مبالغ صغيرة لجمعية كرويّة أو أي نوع من الجمعيات، بينما عندما تراه يدفع مبالغ ماليّة كبرى فلن يكون ذلك لله في سبيل الله، بالتأكيد هو ينتظر خدمات مقابل ذلك ومصالح ماديّة كتسهيلات في صفقات عموميّة وحماية من المحاسبة وهذا هو الشيء الوحيد الذي يمكننا استخلاصه.

 

-رئيس الجمهورية الحالي يؤكد أن المصالحة ستخدم عجلة الاقتصاد في البلاد، بينما تؤكدون أنها لن تخدم الاقتصاد في شيء، فمن سنصدق؟

تصدّقون رجال القانون إذ ليس متاحا لأي كان الحديث في هذا الموضوع.

 

-رئيس الجمهورية في الأصل محام ورجل قانون.

لا ليس رجل قانون بل هو الآن رئيس جمهورية يتلاعب ويخدم مصالح حزبه، ونحن نرنو لأن يكون رئيس الجمهورية التونسيّة محترما لكونه رئيسا بقطع النظر عن الظروف التي أوصلته إلى كرسي الرئاسة والتي تثير عديد الشكوك بالنسبة لي خاصة على صعيد التمويل والمغالطة والماكينة الفاسدة التي أعانته لكي يكون رئيسا، أقول هذا من باب التذكير فقط، ولكن الآن صار مفروضا علينا احترامه ومقابل ذلك نطالبه باحترام الدستور لأنه خطّ أحمر ومن يمسّ الدستور تقطع يداه، فليحترم رئيس الجمهورية قانون العدالة الإنتقالية فمن يبدأ بمس القوانين الصغيرة يستطيع غدا مسّ حقوق الإنسان بشكل منهجي، تعالى مثلا أحدثك عمّا يقترحه السبسي من مصالحة، يقول إن المتورّط في قضايا الفساد يمكنه أن يذهب إلى اللجنة التي يطمح إلى إنشائها (السبسي) عوض هيئة الحقيقة والكرامة ليعرض عليها الأمر، ونحن من باب المنطق نعلم أنه لا يوجد قضاء يطارده (المتورّط) وعليه فلن يتقدّم لأي هيئة لتسوية وضعيّته، حاولنا كمعارضة منذ طرح رئيس الجمهورية لهذه المبادرة توعية الناس لكنهم أنصتوا إليه ولم ينصتوا لنا ونحن نحترم إرادتهم ولكننا نعلمهم أخيرا بأنه تمت مغالطتهم.

 

-منظمة الشفافية الدولية تقول إن الفساد يزداد في تونس بنسبة 9 ٪، ما رأيك سيد محمد في هذا الاعلان؟

من يعيش في تونس لا يمكنه  الملاحظة غير أن الفساد استشرى في تونس بشكل كبير حتى أصبح من الفاضحات، وهذا إن دلّ على شيء فهو يدلّ على أن الحاكمين في تونس اليوم لم يستوعبوا بعد أن هذا الوضع الذي نحن فيه لن يسمح بتطوّر الأوضاع الإجتماعية والإقتصادية بأي شكل من الأشكال ولن يمكننا من القضاء على البطالة، ومن يستطيع اثبات العكس فبإمكانه مطالبتنا بالتخلي عن السياسة.

 

-هنالك وزارة كاملة خصصت لمحاربة الفساد على رأسها السيد كمال العيادي، ماذا تقول؟

ندعو له بالنجاح في مؤسسته ونرى أنه يقوم ببعض الإصلاحات على المستوى الإداري لكن على مستوى محاربة الفساد فلم نر شيئا إلى الآن، نتمنى أن نرى منه أداء أحسن في قادم الأيام ولا نريد أن نظلم الرجل من الآن، ولكننا نذكّر بأنه عيّن منذ ثلاثة أشهر ونظن أن الوقت قد حان لنراه يفتح ملفات فساد كبرى علما وأن له الصلاحيات الكافية للقيام بذلك.

 

-ما هو رأيك في الأسماء التونسية التي ورد ذكرها في وثائق بنما؟

نحن عبرنا عن رأينا قبل أن نعرف أي إسم وكان الأسلم لنا أن نعبّر عن رأينا كحزب قبل ورود الأسماء، نحن قلنا قبل ظهور الأسماء إنه توجد دول في العالم تحترم نفسها كفرنسا وسويسرا سوف تتخذ الإجراءات اللازمة ضدّ المورطين.

 

-ما يعنيه لك ورود اسم وزير يباشر مهامه حاليّا في السلطة كالسيد نعمان الفهري في وثائق بنما؟

لكي نكون واضحين، يجب أن يفتح تحقيق جزائي علما وأن حزبنا قام بواجبه بالذهاب إلى وكيل الجمهورية بالمحكمة الإبتدائية بتونس للفت انتباهه إلى هذه الفضيحة التي تسمى panama papers، وطالبناه بفتح تحقيق ضد كل من ستكشف عنه التسريبات.

 

-على ذكر القضاء، في لقائك مع المنشط معز التومي على موجات اذاعة IFM قلت إنّ مستقبل تونس هشّ اذا لم تملك قضاء مستقلا وقويّا، هل يعني ذلك أن القضاء التونسي مازال مرتهنا لجهات معيّنة؟ ومن هي هذه الجهات تحديدا؟ وكيف السبيل الى تحقيق الإستقلالية القضائية في تونس؟

قانون المجلس الأعلى للقضاء مرّر اليوم، وقانون الهيئة المؤقتة للإشراف على القضاء يسمح بما يكفي للقضاة التونسيين بألا يعودوا إلى ذرائعهم التي تذرّعوا بها في عهد ابن علي بأنهم مهددون من النظام بعقوبات صارمة، إذ لم يعد من صلاحيات وزير العدل التوقيع على نقلات تأديبية كما كان في العهد البائد، ولهم امتيازات أخرى كالراتب الذي ارتفع، ولكن المشكل لدى بعض القضاة –وحتّى لا نعمم- هو غياب ثقافة القضاء المستقلّ لديهم، بالإضافة إلى ثقافة الخوف والتردّد، ونحن ندعو في هذا السياق إلى ضرورة استقلال القاضي عن ضغوطات الشارع تماما كاستقلاله عن ضغوطات السلطة التنفيذية أو أي مركز نفوذ، وهذه هي السابلة إلى استقلالية القضاء في تونس وإلى مقدرته على محاربة الفساد.

 

-ما هو سبب  عدم مطالبتك بفتح مساءلة  برلمانية فى البرلمان حول الضغوطات التى مارسوها عليك لعدم فتح ملفات كبيرة واكتفيت بإعلان استقالتك من منصب وزير أتى لمحاربة الفساد؟

لم أكتف بإعلان استقالتي ولم أكن تحت ضغوطات كما قيل، لا يلزمني إلا ما كنت قد قلته وما سأقولها لك الآن، يوم استقالتي كان 30 جوان (يونيو) 2012، ندوتي الصحافية أقمتها في مقرّ الحزب وطلبت من الصحافيين قبل المغادرة ألا يتوانوا في طرح أي استفسار يريدونه، وقلت حينها ما كان عليّ قوله، قلت إنه كان لديّ مع المعنيين قبل تولي الوزارة لمقاومة الفساد اتفاق في صلاحيات معيّنة، وحدث خلل على مستوى هذه الصلاحيات منذ الشهر الأول مما استوجب تدخل بعض القيادات من حركة النهضة لإقناعي بضرورة مواصلتي على رأس الوزارة في انتظار تباحث سبل رفع الخلاف،لكن الأمر بقي على ما هو عليه مما استوجب استقالتي في 24 ماي (مايو) ومواصلتي إلى 30 جوان (يونيو) بسبب تسويتي لبعض الملفات المنوطة بعهدتي وبعد تلقّي لرسالة مكتوبة من السيّد حمادي الجبالي رئيس الحكومة آنذاك تقول إنني لن أحصل على ما اشترطت من صلاحيات، وتجدر الإشارة إلى أنّ القرار لم يتخذ منه لوحده بل هو قرار من شاركوه فيه من حركة النهضة.

 

- في اجتماع الحزب في الحمامات اشترط استقالة سهام بادي  من منصب  وزيرة المراة ليبقي في الحزب وهذا ما رفضه المرزوقي، لماذا؟ وهل في قرار المرزوقي تفضيل لسهام بادي عليك؟

من قال لك هذه المعلومات نهل من المنبع الخطأ وحتى المكان لم يكن الحمامات ورئيس الجمهورية ليس له دخل عندها، ولم يحدث نقاش يتعلق بتحوير وزاري في حضور السيد المرزوقي وهذا للتاريخ، صحيح أنه كانت لديّ بعض المؤاخذات بخصوص أداء بعض الوزراء ولم يكن الأمر متعلّقا بسهام بادي تحديدا، بل تعلّق بأداء بعض وزراء حزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة بالإضافة إلى أن صورتنا أيامها تشوّهت بصفة كبيرة وكنّا نحتاج إلى بعض التغييرات وهذا لم يكن شرطا للبقاء في الحزب بل كان شرطا للدخول إلى الحكومة من جديد لأنهم كانوا يضغطون عليّ للعودة للوزارة ليس من باب المصلحة العامة ولكن لأنه كانت توجد أطراف تريد التخلص مني من منصب الأمانة العامّة لحزب المؤتمر.

 

-ما مدى ثقتك فى نجاح “حراك تونس الإرادة” خاصّة وأن البعض من المنتمين سابقا للمؤتمر يقولون إنّ الحراك يضم نفس الأشخاص الذين ساهموا في تفتيت المؤتمر فى نسخته الاولى وإزاحة المرزوقى  عن الرئاسة؟

أفضل ألا أعلق على الأحزاب إلا بعد أن يكون أداؤها مؤثرا على السّاحة العامة سلبا، كالنداء مثلا الذي أسمح لنفسي أحيانا بالتعليق عليه وخاصّة الأحزاب التي في السلطة، بالنسبة للأحزاب المعارضة بشكل عام فنحن لا نتعرّض لها بل نتمنى لها حسن الأداء، وما يعنيني نهاية هو أمر التيار الديمقراطي الذي أراه تيّار المستقبل.

 

-تحدثت في إحدى حلقات برنامج اليوم الثامن عن كون المهدي جمعة لم يقدّم شيئا للدولة التونسية ومع ذلك لم نر التجييش الاعلامي والمادي ضده كما كنا نراه -حسب زعمك- ضد الترويكا، فهل يتحدث محمد عبو هنا عن مؤامرة؟

علينا الإقرار بوجود آلة رهيبة تسيّر الرأي العام، فاليوم مثلا وأمام كلّ المصائب التي ترتكبها رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهوريّة فإن جزءا كبير منها يمرّ مرور الكرام، أي دون تهييج ودون تحسيس الرأي العام بمخاطر المواقف، يعني كأن يجلس رئيس الجمهوريّة في قصره ولا يقوم بمهامه في إطار صلاحياته وكتعويض رئيس الحكومة له في السفر إلى الخارج وتعويضه في مهامه وهو ما يدلّ على أن رئيس الجمهورية صار يجد صعوبة في القيام بمهامه والمتمثلة في تمثيل تونس بالخارج، أضيف إليك تدنّي نسبة النمو إلى 0 فاصل كما أن حريات التونسيين صارت مهددة أكثر من ذي قبل، رغم هذا فإن الرأي العام لا يثيره هذا الموضوع ولا يهتمّ به لسبب واحد وهو أنّ هذه الآلة الرهيبة التي حدّثتك عنها لم تتحرّك قيد أنملة كما كانت تفعل زمن الترويكا.

 

-مناداة السبسي (المرشح للرئاسة آنذاك) بحل المجلس التأسيسي اعتبرتها انتهاكا لحرمة مؤسسات الدولة وسألت عندها “كيف يأتمن الشعب هذا الرجل على الدولة اذا ما صار رئيسها”، هل احترم السبسي هياكل الدولة بعد توليه الحكم بالنسبة لكم؟

السبسي قادر اليوم على خرق الدستور، والشيء الوحيد الذي يمكن أن يمنعه من ذلك هو الشعب، في عالمنا الثالث استطاع بورقيبة وبن علي خرق الدستور لأن الشعوب كانت مستضعفة، ثمّ ما نخافه من الباجي اليوم هو شخصه، كم بقي له من الوقت في السلطة، بضع سنوات ويرحل، كما علينا أن نساهم في أن يدافع الشعب عن دستوره.

 

-ولكنّ رئيس الجمهورية يحاول الزيادة في صلاحياته.

ليس هو الذي يريد بل بعض الدائرين به والأمر على ما يبدو يدخل في إطار التلاعب ولا توجد لديّ أدلّة على ذلك، ولكن ما نلاحظه أنه رغم قلة صلاحياته فإنه لا يستغلها كما يجب، فكيف يطالب بمزيد الحصول على صلاحيات لولا أنها إرادة البعض ممن يحومون حوله؟؟

 

-هل يرى محمّد عبّو أنه ما زال لديه ما يقدمه أم أنه بلغ سقف عدم الكفاءة (le seuil d’incapacité) ولذلك بادر بالتخلي عن الأمانة العامة كمقدمة للتحلل من السياسة ككل؟؟ وما هو دورك الآن بالضبط ؟

في الحقيقة لا أرى نفسي محور الكون، ولديّ مشروع في حياتي اسمه التيّار الديمقراطي عليّ أن أساعد في يوم من الأيّام على إيصاله للسلطة وإذا لم أتمكّن من إيصاله إلى السلطة فسيبقى دائما حزبا معارضا جادّا في معارضته، أما بالنسبة لتخليّ عن الأمانة العامة فلديّ العديد من الأسباب من يينها إيصال رسالة إلى داخل الحزب وهي أنّ حزبنا لا يخدم مصالح شخص، وهذا لا يمنع من عودتي مجددا لنفس المنصب، بالإضافة إلى أننا أردنا تبليغ رسالة للشعب التونسي بكون المجموعة أهمّ من الفرد وهو ما لم يتعوّد عليه.

 

-لو عادت عقارب الساعة إلى الوراء ،ما هي المواقف  الثلاثة التي كنت ستتراجع عنها لأنك وقفت الآن على سوء تقديرك فيها؟

لأي إنسان أن يرتكب أخطاء، ولكن ليس لديّ أمر محدد أتذكّر أنني ندمت عليه أو أنه أثار تأنيب ضميري، فمثلا إذا سألتني هل ندمت على مشاركتي في الحكومة في وقت من الأوقات فلن أستطيع إجابتك بالنّدم على دخولها أو الخروج منها لأنني شاركت فيها عن اقتناع وغادرتها في اللحظة المناسبة حسب قناعتي، ولم أتورّط في أخطاء ولا في السكوت عن أخطاء، على صعيد آخر وداخل حزبي مثلا فأنا لا أفكّر وحدي بل أفكر داخل مجموعة ومعظم أخطائنا هي أخطاء تنظيميّة بالأساس كخسارة عديد الكفاءات من جامعيين وغيرهم ممّن لم نقدر على استقطابهم إلى حزبنا، وأشياء كهذه كفيلة ربّما بتحسيسنا بنوع من التقصير.

 

-هناك من يعتبر حزب التيار حزب المستقبل (التداول على القيادة…الشفافية فيها التمويل…التشبيب، …الخ) ما هي الأحزاب الأخرى التي ترون  توفر هذه الشروط فيها؟

الأحزاب الأقرب إلينا عموما، أي الأحزاب الإجتماعية الديمقراطيّة بشكل عام دون ذكر أي حزب منها، وما نتمناه هو أن نتقارب مع هذه الأحزاب في الوقت المناسب حتّى على مستوى القيادات الوسطى والمنخرطين لأن هذا ما يقتضيه التقارب في نهاية الأمر.

 

-إعتصام شباب الڤصرين متواصل امام وزارة التشغيل منذ ثلاثة شهور ولم يقع التعاطي معه بالحلول اللازمة الى الآن، لو كان محمد عبو وزيرا للتشغيل ماذا كان سيقدم لهؤلاء؟

نعم قمنا بزيارتهم، وقد كنت في وقت من الأوقات وزيرا أعنى بما هو أهمّ من التشغيل وهو الوظيفة العموميّة، وكان المعتصمون أمام الوزارة الأولى آنذاك يأتونني إلى مكتبي، وأؤكّد لك أنه في تلك الفترة تقلّص عدد المعتصمين بسبب استجابتهم لمطلبنا بالإنتظار إلى غاية إعداد قانون للانتدابات الإستثنائية لسنة 2012 في تلك الفترة، وأذكّرك أنني عندها كنت مستقيلا من الوزارة لكنني لم أغادرها إلا بعد أن قمت بتمرير القانون في المجلس، وكنت أدخل البعض إلى مكتبي وأقوم بسماع رواياتهم حول عديد التجاوزات في ما يخص الإنتدابات من خلال المحسوبيّة أو التعيينات الجانبية من أناس نافذين، وكنت أرفع سماعة الهاتف لأتحرّى عن هذا أو ذاك وأطالب بالإقالة الفورية والمعتصمون في مكتبي شهود، وعليه فمثل هذه الرسائل التي كنت أوجهها لهم وهذه التدخلات الإصلاحية التي كنت أقوم بها أمامهم كانت بمثابة المهدّئ والمطمئن لهم، وبالعودة إلى معتصمي محافظة القصرين فإنني أدعو القائمين على السلطة الآن إلى تحسيس الناس بأن العدالة موجودة وبأن يتباحثوا سبل إحداث المشاريع في القصرين وغيرها، ونحن في النهاية لم نطلب من الدولة تشغيل 600 ألف عاطل في سنة 2016 ولكنها مطالبة بتجاوز العراقيل والبيروقراطية هذا من ناحية، من ناحية أخرى يجب عليها تجاوز مشاكل الفساد التي تعمل على تنفير المستثمرين بالإضافة إلى إعادة الأموال المهرّبة والتفويت في الأملاك المصادرة بأسعار مناسبة والحوكمة وحسن التصرّف في الصفقات العموميّة والإنفاق إلى ما ذلك، وهذا ما يجعل الدّولة ثريّة بما يمكنها من إعطاء منح للعاطلين وبما يسمح لها بتشغيل أكثر عدد ممكن من العاطلين في مناخ مناسب يستقطب الإستثمار، خاصّة وأن باب الوظيفة العموميّة قد أغلق.

 

وأضيف أننا من أول الأحزاب التي اقترحت آلية تشغيل عاطل عن كلّ عائلة عاطلة عن العمل، لكن لم يقع إلى الآن انتهاج هذه الآلية لأسباب كثيرة أهمها عدم امتلاك الدّولة لقاعدة بيانات بإمكانها الحصول عليها من خلال التنسيق مع وزارة الشؤون الإجتماعيّة إذا ارادت.

 

-وما رأيك في استعمال القوة لفض اعتصام أهالي ڤفصة المجتمعين في منتزه المروج؟

في حقيقة الأمر فإن هذه الإشكاليّة معروفة، كلّ الوزارات غارقة في البيروقراطية والفساد ولا تقوم بواجبها إلا وزارة واحدة، ألا وهي وزارة الدّاخلية وهذا لعمري من مصائب الزمن، دولة تنداح أمام وزاراتها السبل فتلجأ إلى وزارة الداخليّة عوض إعطاء المعتصمين مؤشرات إيجابيّة بتشغيل بعضهم على الأقلّ.

 

-في إحدى لقاءاتك مع برهان بسيّس في برنامج تلفزيوني أيّام الرئيس ابن علي، قلت إنكم لا تؤمنون بالثورة، وإنما تؤمنون بالتغييرات والإصلاحات في نظام الحكم، أليس هذا من باب التمحّك على عتبات بن علي أو التقرّب منه؟؟  وهل كنتم تأملون في أن يغيّر ابن علي من حكمه إرضاء لكم كمعارضة؟

ألفت انتباهك إلى أنني كنت في حزب لديه قناعة في كون حكم ابن علي كان غير قابل للإصلاح إذا ما أخذت كلّ مواقفنا وتصريحاتنا في مجملها، والتصريح بعدم إيماننا بالثورة كان معمما في ذلك الوقت إذ أنه في سنة 2009 وقبلها لم يكن هنالك من يؤمن بالثورة في تونس وقد عمل بن علي على تقديمنا كأناس هامشيين لا دور لنا سوى الشغب والتشويش من خلال الحديث عن دعوتنا للثورة والإنقلاب على نظام الحكم، فكنّا نعمل على إفهام الناس أننا لا ندعوا لثورات ولا لإنقلابات بل أننا مصرّون على تغيير الأوضاع السياسيّة وفرض دولة القانون في تونس الذي سيعمل بدوره على إحياء التداول السلمي على السّلطة وهذا ما كنت أقصده تحديدا.

 

-على الصعيد العالمي، حسب رأيك، هل تعتبر الموجة الثورية التي هزت عالمنا العربي ربيعا؟؟ ثم ألم يعد من حق الشعوب العربية التندّم على الثورات بعد الذي حدث من خراب في أكثر من دولة؟؟

إذا بدأنا بالدّولة الأحسن حالا وهي تونس، لا يمكن لأحد أن يندم على الثورة إلّا إذا كان فاسدا والثورة ازعجته أو إذا كانت له تجارة وشغل ثمّ كسدت تجارته وهذه تكلفة سيّئة جدّا في الحقيقة ويجب أن تتوقّف في أقرب وقت، امّا بالحديث عن ليبيا مثلا فعندما أنظر إليها أرى دولة متقدّمة بعد عشر سنوات لما لها من ثروات طبيعيّة هائلة وعدد صغير من السّكان، فقط بانتهاء حالة التسيّب والفوضى فيها وبعودة السلاح إلى أيادي الجيش سوف تكون دولة متقدّمة في جميع المناحي، في مصر حدثت نكسة ثمّ عاد بعدها الحكم إلى العسكر بأيادي الشعب وهو ما يعكس للأسف مستوى شعوبنا العربيّة وقد بدأ الشعب المصري اليوم يفهم أنه ارتكب خطأ كبيرا في ما سمّي ثورة 30 يونيو، وحسب تصوّري فإنه سيبقى في روح 25 يناير وسيعود الوضع في مصر إلى ما كان عليه بعد وقت وجيز وسيصبح أحسن.

الإشكال والطّامة الكبرى لسوء الحظ وقعت في اليمن وبدرجة أكبر في سوريا.

 

-يعني لا تعتبر ما حدث في هذين البلدين ربيعا؟

ما حدث في سوريا مثلا لا يمكننا اعتباره ربيعا ولا يمكننا الحديث عن ربيع إلا عبر الإطاحة ببشار الأسد وإقامة نظام ديمقراطي يمنع عودة الإستبداد، ولكن بالعودة إلى تونس فإنه ربيع عربي، ليبيا ومصر كما قلت سيخرجان في القريب العاجل من فوهة الأزمة.