قالت مجلة “فورين بوليسي” إن الاستقالة المفاجئة لرئيس الوزراء التركي، احمد داود اوغلو يوم الخميس، تعرض العلاقة المشحونة حاليا، ولكن الفاعلة، بين واشنطن وأنقرة، للمخاطر، خاصة وأنهما حليفان حذران حليفين حذرين غير أنهما يحتاجان لبعضهما البعض في المعركة المشتركة ضد “تنظيم الدولة”.

 

ويُعتبر داود أوغلو حليقا موثوقا للولايات المتحدة وصوت الاعتدال داخل الحكومة التي تتحول، على نحو متزايد، نحو الاستبداد في عهد الرئيس . ويُنظر إلى أوغلو، وعلى نطاق واسع، أنه دبلوماسي ماهر، كان أكثر تسامحا مع الأكراد من رئيسه.

 

ونقل كاتب المجلة عن الجنرال “جون آلن”، الرجل المحوري السابق في الحرب الأمريكية ضد داعش، قوله: “يمكننا أن نعمل بشكل جيد مع رئيس الوزراء”، مضيفا: “”قد يكون خليفته مختلفا جدا عنه”

 

وتحدث مسؤولون في وزارة الخارجية، سابقون وحاليَون، أيضا أن علاقة عمل وثيقة لداود أوغلو مع دبلوماسيين أمريكيين سوف تُفتقد، ووصف نائب المتحدث باسم وزارة الخارجية، مارك تونر، الرحيل المفاجئ داود أوغلو بأنه “مسألة سياسية داخلية لتركيا” ورفض الإدلاء بمزيد من التفاصيل.

 

ومنذ ما يقرب من العامين، سعت الولايات المتحدة إلى تركيز الاهتمام التركي على “تنظيم الدولة”، ولكن في عهد أردوغان، ظلت أنقرة أكثر قلقا بكثير حول معركة الأجيال ضد حزب العمال الكردستاني، وهي جماعة انفصالية صنفتها كل من والولايات المتحدة ضمن المنظمات الإرهابية.

 

وتعتمد واشنطن على تركيا لوقف تدفق مقاتلي “داعش” عبر حدودها مع سوريا وتريد الاستمرار في استخدام قاعدة “إنجرليك” الجوية، ولم تسمح لها أنقرة باستعمالها إلا قبل أقل من عام. وفي الوقت نفسه، تعتمد تركيا على الضربات الجوية الأمريكية للتضييق على مقاتلي “تنظيم الدولة” وإبعادهم عن عمقها الجغرافي.

 

ومع ذلك، كما يرى الكاتب، فإن العاصمتين تتباعدان بسبب دعم أميركا للمقاتلين الأكراد في سوريا، ذلك أنه وبعد معركة وحشية ودموية استمرت أربعة أشهر، انتزعت وحدات حماية الشعب (YPG) السيطرة على مدينة “كوباني” على الحدود السورية التركية في أوائل 2015. وقد اكتسبت، بذلك، الاحترام من الغرب ويُنظر إليها من قبل واشنطن على أنها القوة الأكثر فعالية ضد “تنظيم الدولة”.

 

ولكن يرتبط المقاتلون الأكراد السوريون أيضا بحزب العمال الكردستاني، ولذا تعتبرهم تركيا تهديدا للأمن القومي، وتنامت عدم ثقة أردوغان بالمسلحين الأكراد بعد تفجير مارس في أنقرة، والذي أسفر عن مقتل 37 شخصا، الذي اُتهم به حزب العمال الكردستاني في البداية، ولكن بعد ذلك، أقرّت مجموعة صقور حرية كردستان، وهو كيان منشق عن المنظمة الكردية المحظورة، بمسؤوليته عن الهجوم.

 

وقد بلغ الانفصام أشده في منطقة منبج بريف حلب، وهي نقطة عبور رئيسة استخدمها المقاتلون الأجانب للوصول إلى سوريا عبر تركيا، حيث يشير باراك بارفي، وهو خبير في المسألة الكردية في مؤسسة “نيو ”، إلى أن تركيا تريد منع المقاتلين الأكراد من السيطرة على منبج، كما ترغب أنقرة بجعل منبج منطقة آمنة، خالية من السيطرة الكردية، ونقطة انطلاق للإطاحة بالنظام السوري”، وفقا للباحث “بارفي”، الذي استدرك قائلا: “غير أن الولايات المتحدة ترى في “منبج” نقطة انطلاق لاستعادة الرقة”.

 

وقد خرج الخلاف حول المقاتلين الأكراد إلى العلن في وقت سابق من هذا العام عندما التقى بريت ماكجورك، الذي يرأس اليوم حملة الخارجية الأمريكية ضد “داعش”، مع أعضاء من الوحدات الكردية السورية YPG في كوباني. وبعد أن ظهرت صور اللقاء، انتقد اردوغان أمريكا لوقوفها مع أعداء تركيا.

 

وخلال الفترة الماضية، وجدت الولايات المتحدة في داود اوغلو محاورا يتبنى خطا أكثر اعتدالا في التعامل مع الأكراد. ورغم أنه كان رئيس وزراء ضعيف ويتمتع بقدر قليل من السلطة أو الاستقلالية، إلا أنه كان قناة هامة لكثير من المسؤولين الأمريكيين لنقل أفكارهم واهتماماتهم.

 

وفي هذا السياق، نقل الكاتب عن الباحث “اندرو بوين”، وهو خبير في شرون تركيا وسوريا، قوله: “إن خروج داود أوغلو يعني أن هناك عددا أقل من الأصوات داخل الحكومة على استعداد لتقديم وجهات نظر أكثر واقعية حول الأكراد لاردوغان”، مضيفا: “تبقى مسألة إصغاء أردوغان لها، فهذا يختلف”.

 

وأشار مسؤول أمريكي، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، إلى أن خروج رئيس الوزراء من الصورة يعني إظهار أنقرة المزيد من المقاومة لتعاون الولايات المتحدة مع المقاتلين الأكراد في سوريا، كما قد تتراجع تركيا أيضا عن التقدم الذي أحرزته في إغلاق حدودها مع سوريا، وفقا للمسؤول نفسه.

 

ورأى الكاتب أن رحيل يُعزى، إلى حد كبير، إلى خلافاته مع أردوغان بشأن السياسة الاقتصادية، الصلاحيات الرئاسية الموسعة واحتجاز المعارضين قبل المحاكمة. وقد سعى أوغلو أمس الخميس إلى التقليل من شأن تلك الخلافات، وأعلن مغادرة منصبه في 22 مايو القادم. غير أنهما تصارعا حول العديد من القضايا، بما في ذلك حل النزاع الذي طال أمده في البلاد مع الأقلية الكردية، وهي القضية التي كان فيها داود أوغلو أكثر “حمائمية”.

 

ومن جانب آخر، قال مسؤولون أتراك لوكالة “رويترز”، وفقا لما نقله الكاتب، إن حزب العدالة والتنمية الحاكم سيختار بديلا عن داود اوغلو في اجتماع قادم. ومن المتوقع أن يعين أردوغان خليفة أقل معارضة لتغيير الدستور التركي، وهي الخطوة التي من شأنها تعزيز الرئاسة على حساب البرلمان.

 

وهذا ما أقلق منتقدو أردوغان منذ فترة طويلة، حيث يخشون أن يكون رئيس الوزراء المقبل أحد الموالين له، وقد لا يفعل شيئا لردع نزعة الرئيس الحالي لقمع المعارضة والحدَ من حرية التعبير.

 

وهنا نقل المحلل في مجلة “فورين بوليسي” عن “أيكان إردمير”، نائب سابق في البرلمان التركي وزميل بارز في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، قوله: “سيستبدل أردوغان داود أوغلو بأحد الموالين من اختياره”، مضيفا: “يمكننا توقع سيطرته الكاملة على الشؤون المحلية والدولية في تركيا، بما في ذلك المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حول سوريا، عملية عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي، والتقارب التركي مع إسرائيل”.

 

ومع ذلك، كما يرى الكاتب، من غير المرجح أن تحدث تغييرات كبيرة في العلاقات الأمريكية التركية جرّاء خروج  داود أوغلو من الحكم بسبب احتكار أردوغان للسلطة، وفي هذا السياق، رأى الباحث “أرون شتاين” في “مجلس أتلانتيك”، أن “أدروغان هو المحرك وصاحب القرار الحقيقي في السياسة التركية بشأن القضايا الرئيسية مثل سوريا”.