“خاص-وطن”-بعنوان ذاكرة كابل (4) من ملعب «الحارة» إلى مضافة بن لادن، نشر المقاتل السعودي السابق في أفغانستان، محمد الضويحي مقالا في صحيفة “عكاظ” يروي فيه تفاصيل رحلته للإلتحاق بمعسكرات الجهاديين خلال فترة الإحتلال السوفييتي لأفغانستان.

 

وقال “الضويحي” أنا الآن على متن الخطوط السعودية المتجهة جوا إلى إسلام آباد ليس ثمة رفقة أو خريطة طريق أو دليل أو حتى صديق لكن وجهتي محددة المعالم (أنت ماض وفي يديك فؤادي *** رد قلبي وحيث ما شئت فامض).

وأضاف “الطائرة المكتظة لا تخلو من الراحلين نحو الأرض الموعودة، وجلهم ماضون إلى نفس الوجهة وتراوح متوسطات أعمارهم بين العشرين الى خمس وثلاثين عاما، وأنا المتكور على أحلامي أجلس منكفئا على نفسي في وسط الطائرة أتململ ساعات السفر الطويلة وبين الفينة والأخرى أطل من النافذة وروحي تكاد تقفز إلى هناك حتى أعلن كابتن الطائرة بصوته الأجش المتحشرج يخبرنا عن ضرورة ربط أحزمة الأمان إيذانا بموعد الهبوط.”

وتابع “في وسط النهار حطت رحلتنا على المدرج وبسرعة أنهيت إجراءات الدخول وكأن كل شيء يمر بسلام وليس هناك ما يعكر صفو المضي نحو الهدف وبمعنى آخر فأنا لست أول ولا آخر من سلك هذا الطريق المهيب نحو جبهات القتال في أفغانستان فقبلي وبعدي المئات بل الآلاف من المتطوعين من شتى أقطار العالم العربي والغربي زرافات ووحدانا لا تتوقف حركتهم ولا تهدأ خطوات أقدامهم عن قرع ممرات المطار.”

وأردف المقاتل السعودي السابق “أحمل حقيبتي عبر الممرات أرمق حراس الأمن والشرطة وملامح المسافرين المتعبة واستمع للكناتهم المختلفة التي تعكس في داخلي رهبة المصير، لم يلفتهم صغر سني ولا حتى حيرة نظراتي ولا تلك الدهشة التي تعلو محياي الطفولي ولم يقرأ أحد ما كان يتملكني وقتها من شعور ولا ما أحمله من خيال أو جموح خصوصا أن تلك الرحلة هي أول خروج لي من حدود (حارتنا) الصغيرة بحي الشفا، وملعبنا الترابي بجوار مسجد الأوقاف حينها لا أدري لماذا تذكرت أنه ستفوتني بطولة دوري الحارة وحتما سيفتقد فريقي اللاعب رقم 8 ويلعبون دون أن أمرر لهم الكرة من الخلف، هكذا وبشكل درامي انتقلت من تلك الحدود الصغيرة إلى حدود دولية بعيدة ووجوه غريبة لم آلفها وإلى أين؟

إلى حيث معركة الوجود مع أنياب ماركس ولينين المتعطشة إلى الدماء والأشلاء والأطماع الكبرى لغزو العالم الإسلامي عبر أفغانستان أولا.”

وعن تفاصيل وصوله إلى باكستان، يقول “الضويحي” عند بوابة المطار الخارجية التزمت حقيبتي الصغيرة أنظر بحذر وترقب وشيء من الحيرة يمنة ويسرة ونحو الأمام حسنا ماذا بعد الآن؟ وكيف أصل لمحطتي الأخيرة وأنا ما زلت في باكستان ولم أقطع سوى نصف الطريق وبينما أنا أفكر وقعت عيني على أولى سرايا المجاهدين ببزاتهم الجميلة وعمائمهم المرخاة على أكتفاهم وشعورهم السوداء المنسدلة دون أعناقهم يستقبلون القادمين الجدد عند بوابات المطار بباصات نقل متعددة الاتجاهات، وينادون للجميع بلسان عربي مبين كانوا من نفس جنسياتنا العربية الممتدة والجميع وبصوت عال وواثق يدعونا إلى الالتحاق بهم ليوصلونا إلى ما جئنا لأجله، لكن هذا ليس كل شيء فهناك أكثر من باص وأكثر من جهة وأكثر من طريق بمعنى آخر لم يكن هؤلاء يمثلون جهة واحدة بل كل يدعو إلى مجموعة أو قائد أو مكان أو كتيبة أو معسكر وكل مجموعة ترغب أن تنال النصيب الأكبر، أفهم من هذا أن المسألة تحتاج إلى تفكير كي أحدد مع من أذهب ولماذا هذا من جهة ومن جهة أخرى استرجعت ما كان قد علق بذهني أيام كنت في الرياض وأنا أسأل القادمين من الجبهات ولاحظت وقتها أن ثمة اختلافات في القيادات، لقد عادت لي نفس الحيرة والتوجس ولكني وللمرة الثانية توقفت عن التفكير وأخذت أتأمل تلك الباصات ومن يقف عليها وأسألهم أين وجهتكم فكان البعض منهم يقول البيت الليبي وآخر إلى كنر وثالث نسيت أين وجهته حتى وقعت على من يقول إنه ذاهب إلى بيت الأنصار وتحديدا مضافة الشيخ أسرعت نحو باب الباص وأخذت مكاني سريعا ونسيت كل هذا الذي رأيته الآن من علامة لم تكن تعجبني وحاولت أن أطويها سريعا وأستعجل قائد الباص بأن يمضي إلى حيث وجهته.

ويضيف الضويحي “اخترت الأخير لأنه يملك معسكرات تحت دعمه وإشرافه وهي تعد من أقوى المعسكرات التدريبية خصوصا معسكر الفاروق في مدينة خوست الذي قالت عنه BBC اللندنية أن كل من يتخرج منه هو بمثابة كوماندوز من حيث قوة الإعداد والتجهيز العسكري وهذا هو بالضبط اختياري الذي أطمح إليه لأن كل ما يهمني أن أكون مقاتلا معدا إعدادا جيدا، ثم إن بيت الأنصار يعتبر الأشهر ومعسكراته الأفضل وجلهم عرب وسعوديون وأنا فضلت أن أكون معهم.”

وخاطب المقاتل السعودي القراء قائلا “ليتكم معي وأنا أنظر بدهشة لوجوه المجاهدين الأبطال وكم أنا مغتبط فهؤلاء من تحكيهم قصص البطولة ومن مرغوا أنف الغزاة بالتراب.”

وعاد الضويحي بذاكرته إلى الماضي قائلا “إنني الآن أعود بالذاكرة وأشعر بمحمد الضويحي عام 1991 كان كل شيء بالنسبة لي أن أكون أحد هؤلاء المجاهدين أريد أن أطأ أرض الحرية لقد كنت أسمع حكايات المجاهدين، تضحياتهم وقصة كل شهيد وكل معركة خصوصا تلك المعركة الخالدة التي تسمى جاجي بين قوات الكوماندوز الروس وثلة قليلة من المجاهدين الأفذاذ.”

وأوضح “الضويحي” مخاطبا القراء “الكثير منكم لم يعش تلك الفترة لكنني عشتها روحا وجسدا كان كتاب عبدالله عزام (آيات الرحمن) لا يفارقني وكانت قصصه الأشبه بالخيال نبراسا يوقد جذوة الروح.”

وعن تفاصيل الطريق إلى المعسكر، يقول المقاتل السعودي السابق في أفغانستان “في الباص أخذت مكاني أتأمل الطريق وأشق غياهب النور واستمد الأمل من وجوه الرفقة أرمق الجبال والأودية وهذا الباص القديم يعبرها بثبات ورائحة الديزل المنبعثة من عوادم السيارات لوحة تيه ممتد متجهين إلى مدينة بيشاور ويكاد الظلام يهبط من الأفق وما زلت واثب العزيمة أنتظر الوصول إلى مقر ضيافة أسامة بن لادن بكل شوق وترقب وصوت أشرطة الكاسيت في باصنا العتيق تزف لنا أجمل ما أنتجته أصوات المجاهدين من كلمات يتغنى بها الركبان:

ماض وأعرف ما دربي وما هدفي *** والموت يرقص لي في كل منعطف

ولا أبالــي بأشــواك ولا محــن *** على طريقي وبي عزمي وبي شغفي

وما أبالـي به حتى أحـاذره *** فخشية الـموت عندي أبرد الطـرف”

وختم الضويحي مقاله، بالقول “وبعد رحلة مكللة بنشوة الانتظار والحب وصلنا إلى وجهتنا الثانية مدينة المهاجرين واللاجئين البؤساء تلك المدينة المعتقة برائحة الفقد (بيشاور) ووجهتنا تحديدا إلى مضيف أسامة بن لادن.”