تسبب الرئيس الروسي مؤخرا في إحداث ضجة دولية عندما أعلن فجأة أن حكومته سوف تبدأ .

 

وقال بوتين في لقاء تلفزيوني مع كبار المستشارين في موسكو، من بينهم وزير الدفاع “سيرغي شويغو” وزير الخارجية سيرغي لافروف إن روسيا قد “أحدثت تغييرا جذريا في الوضع” على الأرض من خلال مشاركتها، وأنها قد حققت أهدافها الاستراتيجية بشكل عام. ونتيجة لذلك، أعلن القائد العام للقوات المسلحة الروسية أنه أصدر قرارا “لبدء انسحاب الجزء الرئيسي من مجموعتنا العسكرية من أراضي الجمهورية العربية السورية اعتبارا من الغد”.

 

وقد كان إعلان 14 مارس مفاجئا ومدهشا على حد سواء، فقد جاء بعد ستة أشهر فقط من دخول روسيا إلى الحرب الأهلية السورية وسط وعود مبالغ فيها عن تحالف عالمي دائم ضد التطرف الإسلامي.

 

وعلى نحو غير مفاجئ، اتجه المراقبون لرؤية تحرك موسكو على أنها خطوة استباقية تهدف إلى تفادي الغرق في مستنقع الصراع السوري المستمر لنصف عقد من الزمان. وربما يكون الأمر كذلك. ولكن قرار بوتين يعكس أيضا وجهة نظر طويلة الأجل من جانب الكرملين.

 

وبحسب التقرير الذي ترجمه موقع “إيوان 24” فإنّه منذ البداية، كان قرار روسيا بالتدخل في مدفوعا بواسطة عدد من الأهداف المتداخلة.

 

فعلى مستوى الخطاب، أظهرت حكومة بوتين أفعالها على أنها بداية حملة صليبية موسعة ضد جماعة الدولة الإسلامية الإرهابية، وكنتيجة لضعف الغرب في مواجهتها. ولكن دوافع روسيا الحقيقية كانت صفقة جيدة أكثر نفعية.

 

أولا وقبل كل شيء، كان الكرملين حريصا على تعزيز نظام بشار الأسد حليفه منذ فترة طويلة، الذي كان يخسر ساعتئذ أراضي مهمة لصالح العديد من خصومه السياسيين. وفي نفس الوقت، كان أيضا حريصا على تعزيز موقعه الاستراتيجي في شرق البحر المتوسط، والتي تركزت في القاعدة البحرية الروسية في ميناء طرطوس السوري.

 

وفي الوقت نفسه، كانت حكومة بوتين يائسة من استعادة الزخم الذي فقدته في الأشهر السابقة في أوكرانيا، حيث واجهت قواتها مقاومة أقوى من المتوقعة. وبعد مرور ستة أشهر، تم تحقيق كل هذه الأهداف.

 

وبفضل المساعدة الروسية إلى حد كبير، واصلت حكومة الأسد تمسكها بالسلطة. وفي حين لم تتمكن قوات النظام السوري من استعادة الأراضي الرئيسية، إلا أنها نجحت في تعزيز السيطرة على ما أصبح يعرف باسم “علوستان” ؛ وهو جيب عرقي في غرب البلاد حيث يمكن للنظام الحالي البقاء ولو بشكل متقلص. ونتيجة لذلك، لم تعد أيام الأسد معدودة الآن.

 

وفي الوقت نفسه، توسع الوجود العسكري الروسي في سوريا بشكل كبير. فمنذ شهر سبتمبر، عززت روسيا بشكل كبير قاعدتها البحرية في طرطوس، وأقامت قاعدة جوية جديدة في اللاذقية، وبدأت العمل في اثنتين من المنشآت العسكرية الأخرى على الأقل. وصعدت وتيرة وجود العناصر البشرية والمعدات في المنطقة، ودأبت الطرادات البحرية بأسطولها في البحر الأسود على التناوب بشكل “دائم” قبالة سواحل سوريا.

 

كما حققت عملية روسيا في سوريا مكاسب سياسية واضحة أيضا. فمن خلالها، كان بوتين قادرا على تشتيت الرأي الروسي المحلي بعيدا عن الإخفاقات الهائلة لحكومته (الانحدار المالي، وتضاؤل إمدادات البضائع الأجنبية، وتعميق السلطوية). كما سمح تدخل روسيا أيضا بالخروج من العزلة الدولية ،جزئيا على الأقل، الناجمة عن عدوانها السابق ضد أوكرانيا. وعلى الرغم من أن هذا لم يؤد إلى تخفيف العقوبات الغربية، إلا أنه أبرز موسكو باعتبارها وسيط قوة رئيسي في الشرق الأوسط.

 

وعلى أية حال، كانت روسيا جزءا لا يتجزأ من وقف إطلاق النار المتوهم الذي تم التوصل إليه في جنيف في منتصف شهر فبراير، ونتيجة لضغطها المستمر على الأسد يبقى من الضروري تنفيذ الاتفاق. وفي المقابل، يمنح هذا الضغط الكرملين دورا حاسما في البت في السياسة الإقليمية، لأن الغرب سوف يحتاج إلى مساعدة روسيا لضمان امتثال نظام الأسد بشكل مستمر لشروط أي حل سياسي.

 

ولم تكن روسيا للتنازل عن ميزة استراتيجية حققتها على الأرض. حيث كان الكرملين مخادعا بشأن حجم وقوة الوحدة العسكرية التي ستبقى في سوريا بعد انسحاب “الجزء الرئيسي” من قواتها. فحتى الآن، تشير كل الدلائل إلى أن القوات المتبقية كبيرة وقادرة. وفي الواقع، تتابع روسيا تنفيذ الغارات الجوية على الأهداف المعادية للنظام حتى في الوقت الذي بدأت فيه قواتها الانسحاب من البلاد. وإذا لزم الأمر، يمكن لموسكو أن تعيد الوضع السابق. فكما ذكر بوتين نفسه، يمكن لروسيا أن ترفع عدد القوات العسكرية في سوريا اذا رأت ذلك ضروريا، ويمكنها القيام بذلك في غضون ساعات.

 

وبالنظر إلى الفوضى المستمرة في سوريا، من المغري أن ننظر إلى تخفيض قوات روسيا في سوريا بوصفه مناورة دفاعية دقيقة.

 

ولكن تحركات بوتين تحمل سمات استراتيجية أكثر تعقيدا ودقة، فهي خطوة تهدف إلى حشد النفوذ السياسي المهم لحكومته، مع الحفاظ على المزايا الاستراتيجية التي تمكن من تحقيقها حتى الآن. وفي ضوء ذلك، يمكن أن نقول إن مهمة بوتين قد تم انجازها بالفعل.