يرى متابعون أنه بعد عام من بدء الحملة العسكرية التي قادتها المملكة العربية ضد المتمردين والموالين للرئيس السابق المخلوع ، لا يزال الحكم على “”، مفتوحا، فهي وإن استطاعت وقف سيطرة وتوسع تحالف الحوثيين صالح على معظم اليمن وحررت مناطق عدة من هذا البلد، إلا أنها لم تحقق هدفها الرئيس، وهو احتواء الحوثيين وهزيمتهم وإعادة حكومة عبد ربه منصور هادي إلى العاصمة صنعاء، إذ لا تزال حكومة هادي تعمل بين عدن والرياض ويراوح تحرير تعز مكانه وصنعاء في قبضة الحوثيين ولا يزالون يسيطرون على 8 محافظات من 22 محافظة يمنية، فيما استفاد تنظيم الدولة والقاعدة في شبه الجزيرة العربية من حالة الفوضى وبناء قواعد تأثير في الجنوب اليمني.

 

ورغم دعم الولايات المتحدة للحملة السعودية في اليمن بتوفير المعلومات الاستخبارية والدعم اللوجيستي وتقديم السلاح، إلا أن المراد منه كان ترضية السعوديين، كما علقت صحيفة “نيويورك تايمز” من أجل في وقت كانت فيه إدارة أوباما تجري محادثاتها مع إيران حول ملفها الأمني. وكان موقف أوباما هذا ضد رأي عدد من المستشارين الذين رأوا أن الحرب ستكون طويلة وغير حاسمة.

 

وأثار قرار البيت الأبيض إلى انتقادات، حيث قال السيناتور الديمقراطي، كريستوفر ميرفي، عضو لجنة العلاقات الخارجية: “عندما أقرأ عن الصراع في اليمن أجد صعوبة في فهم ما هي مصلحة الولايات المتحدة”، فيما رأى روبرت مالي، المسؤول عن السياسة في الشرق الأوسط في البيت الأبيض، أن أمريكا كانت محقة في دعم حليفتها القديمة، ولكنه أكد قائلا: “إنها ليست حربنا”.

 

وفي السياق ذاته، قالت الصحيفة إن السعوديين بدأوا بالتحاور مع المسؤولين في وزارة الدفاع حول الحملة العسكرية قبل أن يذهب وزير الخارجية الذي كان في حينه سفيرا لبلاده في واشنطن في مارس من العام الماضي للبيت الأبيض واجتمع مع مستشاري أوباما، وقال لهم إن إيران دخلت حديقة السعودية الخلفية وتساعد الحوثيين الذين استولوا على العاصمة في اليمن ويحاولون إقامة قواعد صواريخ باليستية تكون المدن السعودية في مداها.

 

وأضاف أن السعودية وجاراتها الخليجية على وشك شن حملة لدعم الحكومة العاجزة. والمخاوف من وسيطرة الحوثيين عليها كان دافعا من دوافع دعم العربية للحملة السعودية كما يشير مقال مجلة “فورين أفيرز” حول السياسة الخارجية الإماراتية كتبه ديفيد روبرتس.

 

وبدا من مواقف السعودية والأحداث المتتالية أن الرياض تسعى خاصة في ظل القيادة الجديدة للملك ونجله محمد، وزير الدفاع وولي العهد لمواجهة إيران “وتلقينها” درسا في اليمن كما يرى كبير مسؤولي البيت الأبيض سابقا، فيليب غوردون، والباحث البارز في مجلس العلاقات الخارجية: “كان هدفهم الأساس هو تلقين إيران درسا”.

 

وتشير صحيفة “نيويورك تايمز” إلى مشاكل اعترت الحملة، والتي نبعت من قلة خبرة الطيارين السعوديين في الطيران فوق اليمن وتخوفهم من نيران العدو الأرضية، ولهذا كانوا يطيرون على ارتفاعات كبيرة لتجنب النيران الأرضية.

 

ويقول المسؤولون الأمريكيون إن الطيران على ارتفاعات عالية قلل من دقة القصف وزاد عدد الضحايا المدنيين.

 

وقدم المستشارون الأمريكيون نصائح لكيفية التحليق على ارتفاعات منخفضة بشكل آمن وتكتيكات أخرى، ولكن المشكلة ظلت قائمة. ومع عدم التقدم الكبير للعملية الجوية بدأ السعوديون في التفكير في عملية برية.

 

وهنا دخلت الإمارات على الخط، وبدأت في الإعداد لعملية إنزال برمائية في عدن وطلبت المساعدة في التخطيط من قوات أمريكية خاصة متمركزة في أبو ظبي. ولكن رفض الطلب لخشية المسؤولين في البيت الأبيض من الانجرار إلى معركة فاشلة.

 

ومع ذلك استمر الإماراتيون في التخطيط، وفي يوليو الماضي، طلبوا من البنتاغون قوارب إنزال وغير ذلك من الدعم للقيام بهجوم كبير في عدن، ولم يستجب البنتاغون لأنه رأى في الطلب عملية كبيرة، بشارك فيها آلاف الجنود ودبابات ومدافع وطائرات عمودية مخاطرة كبيرة وأكبر من إمكانيات الإمارات العسكرية، إلا أن الإمارات استمرت من دون مساعدة أمريكية.

 

وواجهت الإمارات مشاكل أخرى، فبعد شهرين من عملية الإنزال في عدن قتل 45 إماراتيا وعدد من جنود الدول الأخرى في محافظة مأرب في هجوم صاروخي حوثي. وردت الإمارات بدك مواقع الحوثيين. وطلب المسؤولون الإماراتيون من البنتاغون طائرة تزويد بالوقود إضافية ولم يستجب البنتاغون في البداية، ورغم تصحيح الخطأ إلا أن المسؤولين العرب فسروا تأخر الولايات المتحدة بالاستجابة لهم بأنه جزء من القرار العسكري الأمريكي لمنع غارات مكثفة على صنعاء التي يسيطر عليها الحوثيون.

 

وواجهت القوة الإماراتية التي دخلت عدن مشاكل بسبب الفوضى وتدهور الأمن، حيث توقفت عن تسيير دوريات في شوارع المدينة وسلمت المهمة للجنود السودانيين الذين انضمت بلادهم للتحالف الذي تقوده السعودية. وتم سحب هذه القوات إلى خارج المدينة بسبب الفوضى وسيطرة الميليشيات عليها.

ومن جانب آخر، رأى “تشارلس شميدتز”، الباحث في معهد واشنطن أن القوى المعادية لهادي وحكومته لم تهزم بعد، وقال إن الحوثيين وصالح نجحوا نوعا ما رغم غياب الدعم الجوي لهم وكانوا قادرين على الاحتفاظ بمناطق. والرأي نفسه تبناه “جوردان بيري” من شركة “فيرسيك مابلكروفت” الاستشارية، حيث أفاد أن الحوثيين أثبتوا قدرة على التمسك بالمناطق والسيطرة على مفاصل هامة من الدولة.

 

وأضاف أن التحالف عانى من مشاكل تتعلق بنقص الخبرات الفنية والميدانية، ومن المعضلات الأخرى هي صعود تأثير القاعدة وتنظيم الدولة في المناطق الخاضعة لسيطرة القوات الحكومية.

 

وبحسب مجلّة العصر فإنّه يبدو أن هناك توجها قويا لإنهاء الحرب، ذلك أن حالة الجمود والإنهاك واستنزاف أطراف الصراع ربما دفع كل هذا وغيره باتجاه البحث عن مخرج للطرفين. وثمة اعتراف بأن الحرب طالت أكثر مما خطط لها السعوديون والقوى التي تحالفت معهم.

 

وفي التقويم النهائي، يرى إبراهيم فريحات، من معهد بروكينغز في الدوحة أن “القليل قد تحقق من الحملة”، وأضاف، وفقا لما نقلت عنه صحيفة “فايننشال تايمز”: “طالما لم يتم التوصل لاتفاق ينهي القتال ويؤدي لسحب قوات الحوثيين من العاصمة، فلن تحقق الحملة أهدافها”. وأضاف أن “دعوات إنهاء العمليات القتالية يشير إلى تقدم ملموس حصل في المحادثات بين السعوديين والحوثيين”.

 

ففي الفترة القريبة الماضية، أجرى ممثلون عن الجماعة الحوثية محادثات مع مسؤولين سعوديين في الرياض دعوا فيها إيران التوقف عن التدخل في الشؤون الداخلية اليمنية، وهو ما رحبت به السعودية. وحتى لو تم وقف الحرب فتحقيق السلام في البلاد سيكون مهمة صعبة. فسيواجه اليمن مشكلة انتشار الميليشيات التي لم تحقق أهدافها ولا توجد سلطة تسيطر عليها، وفقا لتقديرات الباحث “بيتر سالزبري” من المعهد الملكي للشؤون الدولية في لندن (تشاتام هاوس).

 

ويربط تقرير “فايننشال تايمز” بين المتطلبات الاقتصادية التي فرضها تراجع أسعار النفط على السعودية ومحاولات البحث عن نهاية للحرب. وتشير إلى الوساطات الجارية بين المسؤولين السعوديين والقبائل الحدودية، بمن فيها حركة الحوثيين، والرامية إلى وقف القصف الصاروخي على المدن السعودية الجنوبية، والتي أدت لضحايا بين المدنيين لم يتم الحديث عنها، وكذا لتسهيل مرور القوافل الإنسانية وإيصال المساعدات الضرورية والقيام بعمليات تنظيف للألغام على الحدود.

 

ويرى “شميدتز” من معهد الشرق الأوسط أن الوساطات الحدودية “تقدم بارقة أمل” لنهاية الحرب. وأضاف: “يحتاج الحوثيون لسحب قواتهم والتخلي عن الإيرانيين واحترام المصالح السعودية”، إلا أن جوردان بيري يشك في انسحاب الحوثيين من كل المناطق التي سيطروا عليها خـــاصة صنعاء التي تعتبر أهم انجاز لهم. ومن هـــنا، يرى أن تسوية شاملة ودائمة تظل “بعيدة”، وهناك إمكانية “محدودة” للتشارك في السلطة في ظل استمرار الانقسامات.

 

وترى مجلة “إيكونوميست” أن الحديث عن وقف إطلاق للنار متعجل، خاصة وأن خطوط القتال ظلت طيلة الشهور الماضية ثابتة وعلى حالها، وتعود الناس على صوت الغارات كما نقلت عن مواطن في صنعاء التي عادت إليها الحياة “الطبيعية”.

 

وأشارت إلى التحولات الجديدة والقرار السعودي الذي يشبه القرار الروسي في سوريا، وقف الغارات بشكل عام والتركيز على أهداف مختارة لدعم قوات هادي.

 

وعن الخيارات السلمية، تقول المجلة إن صفقة بدأت تتشكل وتتضمن السماح لحكومة هادي في عدن العودة إلى صنعاء بشكل يحميها من هجمات القاعدة. ومقابل هذا سيحصل الحوثيون على وزارات مهمة وتولي الحكومة دفع رواتب مقاتليهم. ومن خلال هذا يمكن للتحالف الذي قادته السعودية القول إنه منع وقوع عاصمة عربية جديدة تحت الهيمنة الإيرانية، فيما سيضفي الحوثيون الشرعية على وجودهم في الدولة تماما كما فعل حزب الله في لبنان.

 

وتظل هذه هي ملامح الصفقة التي سيتم التفاوض عليها، لكن اليمن مهشم ولا يمكن في الوقت الحالي تجميعه بطريقة يخضع إلى حكومة مركزية.