في حديثه لصحيفة “السفير” اللبنانية، رأى الكاتب الفرنسي المتخصص في شؤون المنطقة، آلان غريش، أن هناك تغيرات مهمة طرأت على الساحة السورية. ويمكن القول إن هناك إدراكاً بأن أوراق اللعبة ليست في أيدي وأميركا بالكامل، وأن هناك أطرافاً إقليمية لها مصالح وأدوار في الصراع السوري.

 

وأوضح قائلا: “كنت في موسكو في الأسبوع الأخير من فبراير الماضي، ولمست هذا الفهم لدى الروس. روسيا ضغطت من أجل وقف إطلاق النار، وكان هناك اندهاش من البيان الأميركي الروسي المشترك”.

 

وأفاد أن هناك وجهتي نظر حول الهدنة، وجهة نظر في الغرب والمعارضة السورية، ترى أن السياسة الروسية لم تتغير، وكذلك . ووجهة النظر هذه ترى أن الهدنة ستنهار، وتعود الحرب مجدداً، وهذا احتمال وارد بالفعل على أي حال، وبالتالي فالتغيير الحاصل مؤقت.

 

ولكن هناك وجهة نظر أخرى في روسيا، تبلورت أكثر مؤخراً. فقد توقعت روسيا أن تدخّلها الجوي سينهي الأمر سريعاً وسيحسم المعركة. ولكن ذلك لم يحدث، لأن الجيش السوري ليس موجوداً بما يكفي. وقد عرضت روسيا المزيد من التدخل، بشرط المشاركة أيضاً في عملية إعادة بناء الجيش السوري على أسس مختلفة. وفي الوقت ذاته، فإنّ تجربة روسيا في أفغانستان تجعلها أكثر تردداً في التورط بالكامل في ”.

 

وبات واضحاً أن ثمة خلافاً بين روسيا ونظام الأسد، وفقا لما قاله. فالنظام السوري يريد المضي قدماً في الحرب، بينما ترى روسيا أن الصراع في سوريا لن يُحسم عسكرياً، على الأقل من دون تدخل بري، وهو ما لن تقوم به. لذا فإن هناك إرادة قوية لدى روسيا لدفع العملية السياسية.

 

وفي تقديره، فإن روسيا حققت مكاسب بالفعل من تدخلها. لقد أصبح لها قاعدة عسكرية في الشرق الأوسط للمرة الأولى منذ سبعينيات القرن الماضي، وقدمت عرضاً لأسلحتها واستخدمتها وجربتها. وأصبحت طرفاً رئيسياً في أي حل مستقبلي في روسيا، وتمكنت من دعم نظام الأسد الحليف لها ومنع انهياره.

 

ويتفق الكاتب الفرنسي “غريش” مع فكرة أن وقف إطلاق النار بداية لعملية سياسية. غير أن هناك قوى إقليمية أخرى متضاربة ومواقفها متباينة. تركيا مثلا، كما قال، هي الأكثر سلبية تجاه الهدنة، وكذلك المسار السياسي. وبرغم قبولها بوقف إطلاق النار إلا أنها تنتقد هذا الأمر، وإن كانت قد اضطرت لوقف القصف (في الشمال السوري). ولكن هناك مشكلة تدهور العلاقات التركية الروسية، خاصة بعد إسقاط الطائرة الحربية، وهو ما تسبب بأزمة ذات بعد شخصي بين بوتين وأردوغان.

 

ومع ذلك، لا يعتقد الكاتب الفرنسي أن تركيا ستعطل الحل السياسي، لأنها خسرت كثيراً في الفترة الماضية، وعلاقاتها ساءت بكل الأطراف تقريباً، ما عدا السعودية. كذلك هناك مشاكل داخلية في تركيا سياسية واقتصادية. لذا، كما قال، لا أرى في الموقف التركي، وبرغم تشدده، قوة خاصة، مع الأخذ في الحسبان الضغوط الأميركية على تركيا لوقف أي دعم للتنظيمات الجهادية.

 

وكشف قائلا: “أكثر من مصدر روسي أخبرني أن التحالف الإيراني الروسي ليس إستراتيجياً بمعنى الكلمة. كنت أتصور ذلك. ولكنَ مصدراً روسياً أخبرني بأن الفارق بين الموقفين الروسي والإيراني، هو تمسك إيران بالأسد..ولكني لا أظن أن هذا الموقف أيضاً يعيق بدء الحل السياسي. فمن ناحية، يمكن القول إن العلاقات الإيرانية السورية ليست علاقة عقائدية بمعنى الكلمة، ومن ناحية أخرى، فإن قضية مصير الأسد ليست آنيَة”.

 

كل الأطراف، بما فيها المعارضة السورية، وفقا لتقديره، تتفهم أن التفاوض حول هذه النقطة قد يستغرق بعض الوقت. ولا يمكن للمفاوضات أن تبدأ من الإطاحة بالأسد. لذا، كما صرح، لا أرى أن الموقف الإيراني سيعوق انطلاق العملية السياسية، ولكن الخلاف قد يظهر عندما تبدأ العملية السياسية بالفعل، وهذا يمكن التعامل معه إذا أراد الجميع ذلك.

 

وبخصوص الموقف السعودي، قال إن المملكة موقفها أقل تشدداً من تركيا. وأوضح: “كذلك يجب الأخذ في الحسبان أن السعودية متورطة بشدة في اليمن، وهذا وحده كارثي بالنسبة لها. لذلك، لا أتوقع إطلاقاً أن ترسل السعودية قوات إلى سوريا. كما إن السعودية ضغطت بالفعل على المعارضة للقبول بالهدنة والمفاوضات، والرياض هي الراعية لوفد التفاوض. بالتالي أرى أن السعودية لن تعيق الحل السياسي، ومثل كل الأطراف، فإن أي خطابات أو مواقف يمكن أن تكون بهدف تحسين شروط العملية السياسية، وجذبها في اتجاه معين، ولكن ليس وقفها”.

 

وختم بالقول: “مع استمرار القتال لسنوات، وعجز كل الأطراف عن حسم الأزمة عسكرياً، فإنّ صعوبة الحل السياسي قد تكون أقل من صعوبة الاستمرار في القتال”.