أشار إلى أن ما حققه من نجاح عسكري في كان دافعه إلى تقليص حجم قواته على الأراضي السورية. لكن على الأرجح أن ما دفعه إلى اتخاذ هذه الخطوة هو اعتقاده أن التدخل العسكري ضمن له مقعداً على مائدة الكبار في إدارة الشؤون العالمية.

 

كانت العملية التي أطلقتها روسيا في سوريا في 30 أيلول (سبتمبر) الماضي منطقية “للكرملين” من الناحية العسكرية والديبلوماسية، بل وعلى صعيد السياسة الداخلية، إذ كان “الكرملين” يحرص على دعم أقرب حلفائه في منطقة الشرق الأوسط وحماية قاعدته البحرية الوحيدة في البحر المتوسط. وقد حقق هذين الهدفين إلى حد بعيد.

 

غير أن تحليلاً لتعليقات الرئيس الروسي وغيره من المسؤولين ومحادثات مع شخصيات مطلعة على أسلوبه في التفكير، يشير إلى أن هدفه الأساس كان جعل روسيا طرفاً لا يمكن الاستغناء عنه في عملية السلام السورية، حتى يمكنها استعادة قدر من المكانة الدولية التي كان الاتحاد السوفياتي يتمتع بها.

 

وقال الباحث في مركز «كارنيغي موسكو» الكسندر باونوف إن «روسيا عادت إلى مجلس الإدارة العالمي. إلى المائدة التي تقرر عليها القوى العالمية والإقليمية مصير صراعات الآخرين، ومن الواضح أن روسيا ليست طرفاً محلياً بل عالمياً».

 

واشتُهر عن “بوتين” غموضه واستحالة التنبؤ بتصرفاته، ولم يكن قراره خفض الوجود العسكري الروسي في سوريا استثناء من ذلك، فهو لا يضع ثقته سوى في زمرة صغيرة من الشخصيات المقربة منه، وجاء التحرك الأخير مفاجأة كاملة لكثيرين في الكرملين ووزارة الدفاع.

 

ويقول البعض إن المهمة الحقيقية كانت منح موسكو نفوذاً على ساحة الشؤون العالمية. ففي غضون ستة أشهر تحولت روسيا من دولة منبوذة في الغرب بسبب ضم إلى شريك يتجه إليه الكل في ما يتعلق بسوريا. وبعد أن كان قادة الغرب يترفعون عن التعامل مع روسيا أصبحت موسكو الآن طرفاً معتاداً للتحاور عند واشنطن وقادة الاتحاد الأوروبي.

 

وقال وزير الخارجية البريطاني لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) الشهر الماضي: «يوجد رجل واحد على هذا الكوكب يمكنه أن ينهي الحرب في سوريا بمكالمة هاتفية. هذا الرجل هو بوتين».

 

وقال الخبير السياسي في كلية الاقتصاد العليا في موسكو نيكولاي بتروف إن «بوتين حصل على كل الفوائد السياسية، ومن الأفضل الانسحاب قبل أن تزيد الكلفة، وقبل أن تقع أي حادثة وقبل أن تصبح المخاطر أكبر من اللازم».

 

ويسعى بوتين منذ مدة طويلة إلى تأسيس نظام عالمي جديد متعدد الأطراف تعمل فيه قوى أخرى كثقل مواز للنفوذ الأميركي. وفي خطاب ألقاه في الأمم المتحدة بنيويورك في أيلول (سبتمبر) الماضي شكا بوتين من «غطرسة» من قال إنهم «دبروا الربيع العربي ومنحوا أنفسهم الاستثناءات وإفلاتهم من العقاب» في تلميح شبه صريح إلى الولايات المتحدة.

 

وفي الشهر الماضي رسم حليفه ورئيس وزرائه ديمتري ميدفيديف الخطوط العامة للنظام العالمي الذي يتمناه الكرملين فاستشهد بأزمة الصواريخ الكوبية العام 1962 كنموذج على قدرة موسكو وواشنطن على تسوية الأزمات الخطيرة. وقال إنه يعتقد أن بإمكان القوى العالمية أن تتعاون معاً في اتحاد يقوم على العدل والمساواة للحفاظ على السلام العالمي.

 

وعلى الرغم من أن بوتين لم يسجل نصراً عسكرياً باهراً في سوريا مثل الاستيلاء على حلب بالكامل فإن الكرملين يعتقد أنه بذل ما يكفي لضمان صمود الأسد وقواته. لكن البعض قد يرى في الانسحاب الجزئي الذي نفذه بوتين في سورية انقلاباً ديبلوماسياً وأن عودة بلاده للمسرح العالمي لم تحقق النجاح الكامل.

 

وتفسر بعض الدوائر خطوة بوتين بأنها محاولة للتأثير في نتيجة محادثات السلام الروسية في جنيف وربما الضغط على الرئيس السوري كي يتحلى بالجدية في ما يتعلق بالتوصل إلى اتفاق. ومع ذلك فإن قلة قليلة داخل روسيا هي التي تعتقد أن الأسد عرضة لفقدان دعم بوتين حتى إذا كان الكرملين يريد منه خوض أي انتخابات رئاسية تجري مستقبلاً.

 

وعلى أي حال فقد وقى بوتين نفسه من الخسارة. فبوسعه إذا ما شعر بأن الخطر يحدق بالنفوذ العالمي الذي اكتسبه أخيراً أو بالأسد أن يستخدم القاعدتين العسكريتين اللتين تركهما في سوريا لتوسيع الوجود العسكري الروسي على وجه السرعة.

 

وقال باونوف: «إذا تحول وقف إطلاق النار إلى سلام طويل الأمد فسيعتبر هو المنتصر تلقائياً. لكن إذا تفجرت الحرب من جديد بوسعه دائماً أن يقول: أترون. عندما كنا هناك كان الجميع يحاول التوصل للسلام لكن بعد رحيلنا تفجرت الحرب».