“خاص- وطن- كتب شمس الدين النقاز- أكثر من 6 عقود مرت على أول اغتيال سياسي شهده وراح ضحيته لبناني ترك بلاده في دوامة من العنف، ومسرحا للعديد من الإغتيالات السياسية التي كانت نتيجة حتمية لطبيعة الصراع السياسي داخل المجتمع اللبناني وفي منطقة الشرق الأوسط ككلّ.

 

في 16 من شهر يوليو 1951 وبينما هو ذاهب إلى مطار عمّان، عائدا إلى بعد زيارة قام بها إلى الأردن بدعوة من الملك عبد الله بن الحسين، فاجأ أشخاص تابعين للحزب القومي السوري الإجتماعي اللبناني المعارض، رئيس الحكومة اللبنانية رياض الصلح، وأطلقوا عليه رصاصات أردته قتيلا ثأرا لزعيمهم أنطون سعادة الّذي أعدمته السلطات اللبنانية في 8 من شهر يوليو 1949.

 

كان اغتيال رياض الصلح بداية لتاريخ طويل من الفتن الداخلية والخارجية الّتي عصفت بلبنان، فهذا الإغتيال السياسي الأول لم يكن الأخير في القائمة، بل تواصل مسلسل الإغتيالات الّتي حصدت في مجملها رئيسي جمهورية وثلاثة من رؤساء الحكومة أثناء تواجدهم في الحكم، كما طالت العديد من النواب والسياسيين ورجال الدين والصحفيين، وفي كلّ مرّة كانت الإتهامات توجّه إلى بوقوفها وراء هذه الإغتيالات، على غرار اغتيال رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي كمال جنبلاط والرئيس اللبناني المنتخب بشير جميل ورئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري والصحفي المعروف بانتقاده لسوريا سمير قصير والنائب والصحفي جبران تويني والأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي وغيرهم.

 

كلّ هذه الإغتيالات الّتي راح جرّاءها عشرات بين قتيل وجريح، ساهمت في مزيد من العنف الداخلي وعقود من الهدوء الّذي ساد الشارع اللبناني على خلفيّة الحرب الأهلية اللبنانية التي بدأت في 13 من أبريل عام 1975 ودامت لأكثر من 15 عاما و7 أشهر، وهو ما أدّى إلى دخول القوات السورية في 31 مايو 1976 إلى لبنان بطلب من الرئيس اللبناني سليمان فرنجية وذلك بهدف وقف الحرب وحصر الخطر الّذي كان يتهدّد كيان الدولة اللبنانية.

 

لم يكن هذا الوجود السوري في لبنان في حقيقة الأمر استثناء في تاريخ العلاقات بين البلدين، فمنذ استقلال لبنان عام 1943 وسوريا تبدي اهتماما بالغا بلبنان باعتباره جزءا منها، في حين كانت السلطات السورية تخشى دائما من تأثير الأحداث اللبنانية عليها، أو استخدام لبنان من قبل قوّة أجنبيّة لإلحاق الضّرر بها، الأمر الّذي تعزّز أكثر بعد قيام “دولة ” عام 1948، وأخذ في التصاعد المستمرّ منذ منتصف السبعينات بسبب تعقّد الأوضاع الداخليّة في لبنان، حتّى صار من المستحيل أن يصل رئيس لبناني إلى الحكم من دون أن يتوفّر له الدّعم السوري.

 

هذا الجدل الكبير بسبب التواجد السوري في لبنان والإغتيالات الّتي حدثت أثناء ذلك واتهامات سوريا بوقوفها وراءها بالإضافة إلى الضغط الدولي والعربي الكبير على القيادة السورية للخروج من لبنان، عجّل بالخروج السوري من لبنان خاصّة بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في انفجار ضخم هزّ العاصمة بيروت في 14 من شهر فبراير 2005، لتدخل لبنان بعد ذلك في فتنة سياسية كبيرة لا تزال متواصلة إلى يومنا هذا.

 

بعد هذا الإنفجار الضخم الّذي أسفر عن مقتل الحريري المحسوب على القوى السنّيّة، ألقت قوى 14 آذار بالمسؤولية على سوريا وحلفائها في البلاد، واتّهمتهم بالوقوف وراء هذه العمليّة وعمليات الإغتيال بصفة عامّة، وذلك بدعوى أنّ جلّ الشخصيّات المستهدفة تحسب على الطرف المناوئ لسوريا، في حين نفت ذلك سوريا والأطراف الأخرى في المعادلة السياسية اللبنانية واتهموا أطرافا أخرى تعمل على زعزعة الوضع الداخلي لإتاحة المجال لقوى دوليّة مثل الولايات المتّحدة وفرنسا للتدخّل في الشأن اللبناني.

 

اغتيال الحريري الّذي أسفر عن خروج سوريا من لبنان، لم ينه مسلسل الإغتيالات الّذي تواصل واستهدف صحفيين ووزراء ونوّاب في البرلمان وقادة عسكريين وأمنيين، وهو ما ترك لبنان في دوّامة من العنف والفراغ السياسي والفتنة الطائفية الّتي تأجّجت في الفترة الأخيرة خاصّة مع بداية الحرب السورية الّتي ألقت بضلالها على الشعب اللبناني المنقسم بين مؤيّد ورافض لما يحدث، وعلى المنطقة بأسرها.

 

مستقبل لبنان غامض ومسلسل الإغتيالات متواصل ربّما، خاصّة مع دخول لاعبين محترفين في التقسيم والتفتيت وإشعال الفتن الداخلية والخارجية، بالإضافة إلى انعكاسات توتّر العلاقات بين المملكة العربية وإيران، الأمر الّذي ألقى بظلاله على لبنان، الّذي أصبح عاجزا عن إيجاد حلّ لأزمة القمامة الّتي اجتاحت العاصمة بيروت منذ شهر يوليو الماضي.