(خاص – وطن) بعد أن دافع بعض المرتزقة من الإعلاميين وأشباه المثقفين المصريين على ، انبرى للرّد عليه وعليهم الكاتب المصري بصحيفة الأهرام هشام يونس في مقال له حمل عنوان “الأنبياء في سجون الزند”، استعرض فيه بأسلوب جميل مسيرة الوزير المثير للجدل الّذي لم يدّخر حهدا في إهانة المصريّين ومن ثمّة أحد الأنبياء المرسلين.

 

وفيما يلي نصّ المقال:

ليس جديدًا على مصر، أن يقوم فيها الوزير بحبس نبي من أنبياء الله، فقد سبق وأن قام عزيز مصر بسجن نبي الله يوسف، فلبث خلف الأسوار سنين عددًا، لكن عزيز مصر فيما مضى لم يكن يعرف أن يوسف نبي مرسل، أما أحمد الزند -وهو وزير ليس بعزيز- فلا مانع لديه من إرسال النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- إلى السجن، برغم أنه يعرف أنه مرسل ومشفع وجب له التوقير، لا التعريض في تهافت الكلم.

 

في كل مرة يتحدث فيها السيد أحمد الزند وزير “العدل” يقدم لنا نموذجًا يمكن تدريسه حول “ما يجب ألا يقال”، وإذا نظمت مسابقة للأقوال والتصريحات التي تتسم بأكبر قدر من إثارة الجدل، والغباء السياسي، لما احتار المحكمون في من يفوز بالجائزة.

 

ويستحق السيد الزند أن يضع كتابًا عنوانه، “كيف يكرهك الناس عندما تتحدث؟” ولن يبذل المذكور جهدًا في تأليف الكتاب، إذ يكفيه أن يعهد إلى أحد حوارييه بجمع تصريحاته منذ ظهر إلى الفضاء العام رئيسًا لنادي القضاة، ثم وزيرًا لـ”العدل”.

 

للتذكرة فقط، فإن المستوزر هو صاحب تصريح “نحن الأسياد وغيرنا هم العبيد”، وصاحب مقولة “سيستمر تعيين أبناء القضاة، ولن يوقف أحد هذا الزحف المقدس”، وصاحب التوجه الفاشي “لن أرتاح إلا بقتل ١٠ آلاف أمام كل شهيد”، وهو صاحب مقولة “المصري يقدر يعيش بـ٢ جنيه”.

 

في لقاء الإعلامي حمدي رزق مع السيد أحمد الزند على فضائية “صدى البلد” بادره رزق متسائلًا: “هتحبس صحفيين؟”، رد الزند باندفاع: “إنشالله يكون النبي صلى الله عليه وسلم.. أستغفر الله العظيم يارب.. المخطئ أيًا كانت صفته يتحبس”.

 

ويكشف التصريح الصادم أن وزير العدل لا يزن كلماته، ولا يحسب ما يجري على لسانه، قبل أن يلقيه إلينا، ويترك لـ”شهوة الميكروفون” أن تتحكم فيه، فيتحرش بالثوابت والعقائد والرموز الدينية، دون وازع من حكمة وتأنٍ يُفترض أن يتمتع بهما من هو في مثل سنه.

 

ومنذ تولي المذكور شئون الوزارة جعل جُل اهتمامه منصبًا في التخطيط للانتقام، من كل من تجرأ وذكره في ملأ، بقدر كبير أو صغير، ومن كل من عارضه عن حق أو باطل، ومن كل من تحداه، في أي مسألة حتى لو كانت من عاديّات الأمور.

 

في تصريحه المستفز يقول المذكور، “إن السجون خُلقت لمثل هؤلاء”، وهو يقصد الصحفيين الذين تجرأوا ونشروا موضوعات تتهمه بارتكاب مخالفات، وتجاوزات، وكانت الصحافة في هذا الموضوع تحديدًا تابعة وناقلة لما أثاره أقرانه وأساتذته من السادة القضاة أنفسهم ضده في جمعيتهم العمومية قبل سنوات.

 

لم أتخيل أن يقول كائن مهما علا قدره “النبي لو أخطأ، يتحبس”، ناسيًا -وهو خريج الأزهر مع الأسف- أن الرسول “صلى الله عليه وسلم” لاينطق عن الهوى، وأنه منزه، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

 

في خضم انفعاله استبد الغرور بالرجل، ونسي أنه يتحدث أمام كاميرا تنقل كلامه لملايين المشاهدين، واستعمل لغة المقاهي في الأحياء الشعبية، حين ينعقد السامر، وتحلو الصحبة، وينتشر دخان الأراجيل، فيتحدى أحدهم أقرانه “هعمل كذا وكذا.. وما حدش هيوقفني إنشالله يكون ……..!!”

 

لابد أن تكون ذا خيال مريض لكي تتصور أن الزند قادر على حبس الأنبياء، وأن أحد الرسل يمكن أن يكون نزيلًا في سجون الزند، الذي لا يجرؤ أن يقول “المخطئ يتحبس؛ حتى لو كان رئيس الجمهورية؛ حتى لو كان رئيس الوزراء؛ حتى لو كان وزير الداخلية”، لكنه يجرؤ أن يقول “النبي لو أخطأ يتحاسب”.

 

استقال وزير العدل السابق محفوظ صابر؛ لأنه قال إن أبناء الزبالين لا يصلحون للعمل في القضاء، فهاجمت نقابة الزبالين، تصريحات الوزير، وتضامن معها كثيرون، ولم يتحمل ضغط الرأي العام، أما الزند الذي يعيث بكلماته في الأرض ذات اليمين وذات الشمال، فهو محترف في إخراج لسانه للرأي العام، ويجد من الجوقة الإعلامية المطيعة، من يبرر له، ويدافع عنه.

 

تحرك الأزهر سريعًا أمام ما يتجشأه هذا الوزير في وجوه الناس، ولم يتعامل مثل مؤسسات عديدة، بمنطق “تصريح يفوت ولا حد يموت”، وجاء بيان الإمام الأكبر، كلمة حق أمام وزير جائر، بعد أن كان الصدى وصوت المهادنة عقب كل تصريح مستفز يهمس في خوف للكثيرين “اتقوا نفوذ الوزير الواصل”.

 

بعد مرور يوم كامل من تصريحه البليد، وبعد مطالبة الأزهر له بالاعتذار، خرج علينا السيد الزند، لا يخفي تعاليه، واعتذر بكلمات يملؤها الكبر، لكنه كالعادة لم يفوت الفرصة، ووصف منتقديه، بأنهم ٣٠ أو ٤٠ أو ٥٠ فقط، كما أكد مدعيًا أن الرسول سيقبل اعتذاره، بثقة لا أعلم مصدرها، وكالعادة حشر “الإخوان” في الموضوع؛ ليزايد ويرهب منتقديه بأنهم إخوان، بل ويتحصن بحفظه لبعض أو كل القرآن، وبصلاته، وحجه، التي لا تعني شيئًا لنا كمواطنين، إذ يعنينا أن يكون لدينا مسئول يعرف ما يقال وما لا يقال.

 

من الصعب أن يقنعنا أحد أن قضاة مصر الأجلاء لا يوجد بينهم، من يستطيع أن يتحدث دون أن يكون عبئًا على النظام، ومن الصعب إقناعنا أن المنصة عقمت، بعد أن أنجبت المستشار العظيم يحيى الرفاعي، والمستشار الجليل ممتاز نصار، وغيرهما من حراس ميزان العدالة، ممن سطروا تاريخًا من النضال الحقيقي، وليس أمام الشاشات بالاستعراض اللفظي و”فتحة الصدر” والخيلاء.

 

يعلم المذكور أن محاكمة ٦ صحفيين ستبدأ بعد ٣ أسابيع بتهمة نشر أخبار كاذبة، ضد ذاته غير المقدسة، وهو لم يتحرج -وهو وزير لـ”العدل”- أن يصرح بما يريد أن تنتهي إليه القضايا، وهو يعلم أن قضاة المنصة يسمعون تصريحاته وهو يقول باستنكار: “السجون اتعملت ليه؟”، ويلمح إليهم، بحبس الصحفيين، بل ويحرض على الصحفيين عندما يقرر “السجون خُلقت لمثل هؤلاء”.

 

عندما تقدم الزند للنيابة ببلاغات قبل عام ونصف، قال في ذات الفضائية قاصدًا الصحفيين “هنيّمهم على البرش في الزنزانة في عز الشتا”، وهو تدخل سافر وتأثير على مجريات التحقيق، وتهديد صريح، لم ننتبه إليه في حينه.

 

إذا كان لدينا وزير لا يترفع أن يدلي بـ”جردل” سيادته في قضية منظورة أمام القضاء، ويضع رأيه تحت الأضواء، لكي يسبقنا إلى ساحة المحكمة، فإنه بذلك يمهد لنا طريقًا من التشكك في دروب العدالة والنزاهة التي ننتظرها، وربما لا نلاقيها في وجوده غير الحميد.

 

سيكون الصحفيون عصبة أولي قوة، أمام الوزير المتعجرف، فإذا لقينا العدل فمرحى مرحى، وإن افتقدناه، فإن السجن أحب إلينا مما يدعونا الزند إليه، وحسبنا أن ربنا لن يؤاخذنا بما قال الوزراء منا.