يرى الباحث السياسي “إميل هوكاييم” في شؤون الشرق الأوسط بالمعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية، أن ما يطبق اليوم في “ليس وقفاً للعمليات العدائية”، وإنما “تخفيض في الأعمال العدائية”.

 

وأشار “هوكاييم”، الناقد للدور الأمريكي في سوريا، إلى أن الوضع الحالي هناك “سيؤدي إلى فرض حالة غير متساوية، حيث يتم مكافأة الموالين في مناطقهم، فيما ستكافح بعض جماعات المعارضة للنجاة”.

 

وكتبت “إريكا سولومون” في صحيفة “فايننشال تايمز” أن عدد اللاجئين الذين فروا باتجاه الحدود التركية في الفترة الأخيرة كان 70.000 لاجئ، حيث علقوا في المنطقة الحدودية بسبب إغلاق تركيا الحدود وبضغط من الدول الأوروبية، إلا أن العدد تضاعف بعد الحملة التي قام بها نظام بشار الأسد في شمال – غرب سوريا.

 

ونقلت الصحيفة عن الناشط طارق عبد الحق قوله: “في الحقيقة لم يتوقف القتال في ريف إدلب”، مضيفاً أن “القصف مستمر في الصباح والمساء.. وأظن أن عشرات الألوف هربوا إلى المناطق الحدودية”.

 

وأشارت تقديرات إلى أن عدد الأشخاص الذين قتلوا في الأسبوع الأول من الهدنة تجاوز 135 شخصا، ويرى نقاد للهدنة أن هناك فشلاً في نظام مراقبة وقف إطلاق النار.

 

وفي الوقت الذي أنشأت فيه الولايات المتحدة مركزا للاتصالات، تحدثت تقارير إخبارية عن عدم وجود عدد كاف من المتحدثين باللغة العربية يستطيعون تلقي المكالمات. وتقول الصحيفة إن ليست مهتمة بالتفريق بين جماعات المعارضة. وتنقل عن دبلوماسي بالمنطقة مقرب من موسكو قوله إن الروس “ليسوا مهتمين بالسؤال عن انتماء الجماعات الإسلامية المقاتلة”.

 

وأفاد روسيا وأمريكا مهتمتان بإظهار صورة جميلة في الخارج تغطي على الفوضى التي تجري في الداخل. وقال إن الولايات المتحدة لا اهتمام لديها كي تتحدى وقف إطلاق النار، خاصة بعدما تخلت عن الساحة السورية إلى موسكو.

 

ولهذا، تشعر الجماعات المقاتلة بالمرارة لعدم رغبة الولايات المتحدة في زيادة انخراطها في الصراع السوري، جاعلة من هدفها الرئيس محاربة تنظيم “الدولة” وليس مساعدة فصائل الثورة على الإطاحة بنظام الأسد.

 

ويرى معارض سوري بارز أن هدف الولايات المتحدة الأول هو البقاء خارج الحرب السورية “وبأي ثمن”، وتقول الصحيفة إن وقف إطلاق النار قد يؤدي إلى وضع يمنح الغرب المبرر للقول: “حسناً، هناك على الأقل وقف إطلاق نار”.

 

ولا يزال والمقاتلات الروسية تستهدف مناطق إستراتيجية. وتركز على قطع خطوط الإمدادات عن المعارضة في حلب. وفي وسط سوريا يقول الناشطون إن هدف النظام هو تقسيم المعارضة بين حمص وحماة ما قد يؤدي لفرض حصار على ما تبقى من جيوب في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة.

 

ويحذر المقاتلون من أن يؤدي تقدم النظام إلى محو مناطقهم ودفعهم نحو تبني خيار حرب عصابات. ويرى بسام الحاج مصطفى من كتيبة نور الدين زنكي أن الحرب “لن تنتهي وستصبح مثل حرب فيتنام”.، وستؤدي إلى خسارة واشنطن ثقة المعارضة والداعمين الإقليميين لها مثل تركيا ودول الخليج التي لن تكون قادرة على إقناع المعارضة بالمشاركة في محادثات السلام.

 

ويعلق هوكاييم بالقول: “حرقت الولايات المتحدة كل حلفائها الإقليميين والمحليين”. وأضاف: “عندما تندلع انتفاضة مرة أخرى جهز نفسك للوحش الأسوأ من تنظيم الدولة”، إلا أن المسألة بالنسبة للولايات المتحدة ما عادت مهمة في ظل تحالفها مع قوات حماية الشعب الكردي في الحرب ضد تنظيم “الدولة”. وهذه القوات متحالفة بطريقة غير مباشرة مع الروس والنظام السوري في الحملة ضد ، ولهذا تحرص الولايات المتحدة على استمرار الهدنة كي تركز على الجبهة ضد تنظيم “الدولة”.

 

* عاصفة “الحزم” الروسية:

وفي الوقت نفسه أثبتت روسيا فلاديمير بوتين أن الخيار العسكري في سوريا ناجع وفعال، كما ناقش كير غايلز، الزميل في برنامج روسيا ويوريشيا بالمعهد الدولي للدراسات الدولية في لندن “تشاتام هاوس”.

 

وناقش في مقال على موقع المعهد أن الهدنة تعتبر أخباراً جيدة بالنسبة للسوريين على المدى القريب، لكنها ليست جيدة بالنسبة للغرب على المدى البعيد. فالهدنة تؤكد كما يقول أهداف الإستراتيجية العسكرية الروسية، وهي أن القوة العسكرية الحازمة كفيلة بتحقيق أهداف السياسة الخارجية لموسكو.

 

ويعتقد “غايلز” أن روسيا لديها كل الأسباب لأن تكون راضية بالاتفاق الحالي، لأنه حقق أهدافها في الصراع السوري التي لم تتغير منذ بدايته، وهي وقف المعارضة السورية عن ضرب قوات الحكومة السورية. وأضاف أن الجماعات التي وافقت على الهدنة ستشارك في محادثات جنيف مقابل عدم تعرضها للقصف الروسي أو من قوات النظام.

 

وهذا يتناسب مع دعوة موسكو للتفاوض على عملية انتقال سياسي لا تغيير للنظام بالقوة الذي تمسكت به الحكومة الأمريكية في البداية. وأهم من كل هذا، فالهدنة تظهر أن العمل العسكري المباشر في الخارج هو أحسن وسيلة متوفرة لروسيا كي تحقق أهدافها الإستراتيجية من دون أن تترك تداعيات سلبية كبيرة على السياسة الروسية.

 

ويقول الكاتب إن سوريا هي رابع حالة بعد كوسوفو وجورجيا وأوكرانيا غيَر التدخل العسكري فيها الوضع لصالح موسكو.

 

ولقيت الحالات الثلاث دعماً دولياً، فاتفاق وقف إطلاق النار عام 2008 فرضه الرئيس الفرنسي على جورجيا، أما بروتوكول مينسك فقد فرضته كل من فرنسا وألمانيا والآن اتفاق سوريا الذي لقي دعماً من 20 دولة تشكل مجموعة الدعم الدولي لسوريا.

 

ويرى الكاتب أن نتائج الهدنة ستدفع روسيا إلى مغامرات عسكرية أخرى لضمانها عدم وجود رد فعل دولي على ما ستقوم به. وعن الوضع الحالي في سوريا، يقول “غايلز” إن اتفاق وقف إطلاق النار يعطي موسكو الفرصة لمواصلة ضرب “الإرهابيين”، أي تحقيق أهدافها.

 

ويعلق قائلا: إن روسيا لديها تاريخ متناسق في استغلال الثغرات في اتفاقيات وقف إطلاق النار أو حتى تجاهلها، فقد اتهمت روسيا ولسنوات طويلة بخرق شروط اتفاق عام 2008 مع جورجيا. وفي أوكرانيا وجدت روسيا والانفصاليون أن بنود مينسك ليست جيدة ولهذا واصلوا العمليات العسكرية.

 

ويعتقد الكاتب أن الغرب والولايات المتحدة يركزون على شروط قصيرة الأمد وهي قتال تنظيم “الدولة”، أما الروس فيركزون على أفق طويل. فسوريا تخدم روسيا وتحرف النظر عن أفعالها في أوكرانيا وتدعم محاولاتها لرفع العقوبات المفروضة عليها.

 

وتقوم والحالة هذه بالعمل، إلى جانب الخطة الغربية، لمحاربة “تنظيم الدولة”، وتعمل على إقناع الغرب أن الطرف الذي يتحمل اللوم في خرق وقف إطلاق النار هي أوكرانيا. كما إن اتفاق الهدنة في سوريا يعزز من موقف الرئيس بوتين أن بلاده هي لاعب مهم في الشرق الأوسط ويجب والحالة هذه على المجتمع الدولي الاعتراف بها.

 

ومجرد مشاركة روسيا الولايات المتحدة في مراقبة اتفاق وقف إطلاق النار يعيد وضع الأمور لنصابها، خاصة بعد تراجع التأثير الروسي عقب نهاية الحرب الباردة.

 

وتمنح سوريا في سياق مختلف القوات الروسية الفرصة للتدريب وفحص القدرات العسكرية. ووصف بوتين التدخل بأنه “تدريب” لروسيا، فيما قال جنرالاته إن الحرب هي أرخص من إرسال قوات ومعدات عسكرية لفترات تدريبية قصيرة مع الجيش السوري.

 

وظهرت الولايات المتحدة في صورة من تخلى عن حلفائه، فبعد تجاوز الرئيس السوري الخط الأحمر 2013 اقترحت روسيا تسليم أسلحته الكيميائية. وخطة الهدنة هي المرة الثانية التي يوافق فيها كيري على مقترح روسي.

 

ويعلق الكاتب أن شعور روسيا بقدرتها على تغيير الأمر الواقع عبر القوى العسكرية ليس في صالح صناع السياسة الغربيين الذين ستجد بلادهم صعوبة في حماية نفسها أمام الحزم الروسي.